• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  05:39    وفاة مواطنة وإصابة زوجها وابنها في حريق برأس الخيمة     

منذ الفتنة الكبرى وصراع أمة العرب على أشخاص وذوات وليس على موضوعات وأفكار، وهو ما نراه الآن في ليبيا وسوريا واليمن والعراق. صراع على من يحكم لا على منهج الحكم وقيم الوطنية

قلب العرب الموجوع.. بين الذات والموضوع!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

محمد أبوكريشة*

لم يكن انسحاب الولايات المتحدة من العراق بعد إسقاط صدام حسين ورحيل قوات «الناتو» من ليبيا بعد إسقاط معمر القذافي مؤامرة، كما يحلو لهواة التفسير التآمري للأحداث أن يروا ذلك، لكن الأمر في ظني وليس كل الظن إثماً أنها كانت قراءة خاطئة، وربما بلهاء للشخصية العربية أو التركيبة النفسية العربية.

لقد ظنت الولايات المتحدة ودول «الناتو»، وظنها هنا هو الإثم أن صدام حسين ومعمر القذافي وحدهما كانا العقبة في طريق الشعوب نحو بناء ديمقراطية على الطراز الغربي، وأن إسقاطهما سيتيح للشعوب تقرير مصيرها وبناء مؤسساتها وإطلاق حرياتها وصون كرامتها.

لم يفهم الغرب أن الخلل في الشخصية العربية وتركيبة الإنسان العربي النفسية، وأن الديكتاتور لا يصنع نفسه، ولكن يصنعه شعبه، وأن فرعون عندما ادعى الألوهية أراد اختبار شعبه ومدى تقبله للفكرة. فقالت الحكاية التي تبدو رمزية إن فرعون أشار إلى (كم جلبابه الطويل)، وقال: أنا رب كم أي أنا صاحب كم وعندما سجد له قومه قالها صراحة: (أنا ربكم الأعلى).. وبالطبع هي قصة قد لا تكون حقيقية؛ لأن فرعون لم يكن يتحدث العربية. ولكنها قصة رمزية ذات دلالة تؤكد أن الديكتاتور من صنع شعبه وليس من صنع نفسه. وأن في داخل كل عربي ديكتاتوراً جنيناً أو بذرة ديكتاتور تتعهدها الشعوب بالرعاية والري حتى تصبح شجرة ضخمة أو جبلاً عملاقاً.

لم يفهم الغرب، ويبدو أنه لن يفهم أنه لا يوجد في العالم حاكم يمكنه أن يفسد شعباً، ولكن يوجد شعب يمكنه أن يفسد الحاكم. ولا يوجد حاكم يتأله من تلقاء نفسه، ولكن يوجد شعب يؤله حاكماً أو يؤله عالماً أو إعلامياً أو طبيباً، أو أي صاحب سلطة أو مهنة. وفي رأس وقلب وعقل كل عربي ديكتاتور جنين ينتظر الفرصة، وليست الفرصة أن يكون حاكماً أو زعيماً، ولكن الفرصة أن يحتل أي مساحة في الفضاء أو المشهد ليديرها بتسلطه وغبائه، ويجد الآلاف الذين ينفخون فيه حتى يصاب بتورم أو تضخم الذات.

حدث هذا بالضبط في دول «الخريف العربي» ومعها العراق، فقد سقط زعيم واحد في كل دولة من هذه الدول كان يوصف بالديكتاتور ليحل محله في كل دولة مليون ديكتاتور وزعيم. وأصبح تسعون في المائة من الناس زعماء وعشرة في المائة فقط هم الشعب. والزعماء الديكتاتوريون موجودون في كل مجال وأخطرهم الإعلاميون الذين صار لكل منهم منصة فضائية يتحدث فيها وحده ويفرض رأيه بلا اعتراض ويدعمه مجموعة مختارة من المتصلين الذين يطرونه وينعتونه بأنه الأعظم والأقوى والأذكى والأكثر وطنية. وأخطرهم أيضاً زعماء الدين الذين يمارسون أبشع صنوف الديكتاتورية عبر منصاتهم ومعهم أيضاً جمهور غفير يصفق لهم ويدعمهم.

الصراع في أمة العرب منذ الفتنة الكبرى صراع أشخاص وذوات وليس صراع موضوعات وأفكار. وهو ما نراه الآن في ليبيا وسوريا واليمن والعراق. صراع على من يحكم ويدير ويسيطر لا على منهج الحكم ومبادئ وقيم الوطنية. وانقسام وتشظي الأمة إلى جماعات وميليشيات ومنظمات أساسه وسببه أن الصراع بين أفراد لا بين أفكار وموضوعات. هو صراع بين أفراد وجماعات تحت لافتات وشعارات فكرية أو دينية أو طائفية أو مذهبية. ولو أن الصراع بين أفكار ما احتاج العرب أبداً إلى كل هذا الكم الهائل من المنظمات والميليشيات والجماعات والعواء الفضائي والنباح الإلكتروني... وصراع الذات وحده هو الذي يتحول إلى قتل ودمار ودماء، لكن صراع الأفكار يبدأ وينتهي بالحوار. والعربي لا يمكن أن يدخل حواراً فكرياً أبداً، لأنه يرى أن فكرته هي ذاته - وأن اقتناعه بأفكار الآخرين هزيمة لا يقبلها. وصراع الذوات والأشخاص هو الذي يؤدي إلى إسكات الآخر بقتله - لأن الذات لا تنتصر إلا بقتل وإسكات الذات الأخرى إلى الأبد. لكن صراع الأفكار يؤدي إلى إقصاء فكره لا إلى إقصاء صاحبها، وصراع الذوات والأشخاص هو المسؤول عن غياب الحقائق تماماً في أمة العرب، لأن كل فرد أو جماعة أو منظمة تحتكر الحقيقة أو ما تراه حقاً وتفرض حقها المزعوم بالقوة والقتل.

ورذيلة الشخصنة وصراع الذات تجعلنا نحن العرب نتمنى فوز مرشح على آخر في أميركا وإسرائيل وغيرهما وتجعلنا نفاضل بين أشخاص لا بين مناهج وأفكار، فنقول إن أوباما هو الأسوأ أو هو الأفضل وإن نتنياهو هو الأسوأ أو الأفضل. ولا يخطر ببالنا أبداً أن الأشخاص في العالم كله يتغيرون، بينما الفكر أو الموضوع أو المنهج واحد. لكن في عالمنا العربي يتغير المنهج بتغير الشخص. ونرى دائماً أن التغيير هو تغيير أشخاص لا تغيير أفكار، كما يحدث في العراق الآن من صراع على من يتولون الحقائب الوزارية والمحاصصة، لذلك يتغير الأشخاص وتبقى المشاكل كما هي. ودائماً يبدأ العرب من الصفر لأن القادم إلى الموقع، أي موقع يستغرق وقته كله في هدم ما بناه السابق وشطب ما كتبه دون أن يضع حجراً واحداً في بناء جديد. وهناك دول عربية حققت تقدماً كبيراً حين نحت الذات جانباً وجعلت الموضوع هل بطل القصة. أما جل الدول العربية وخصوصاً تلك التي ضربها الخريف في مقتل، فما زالت تتخبط في صراع الذوات والأشخاص ولم تتحرك قيد أنمله من المنطقة السوداء. وتعيش حروباً أهلية في ميادين القتال أو ميادين الإعلام لأن الزعماء فيها أصبحوا أضعاف الشعب، واختفى فيها الوطن تماماً لآن الذات أصبحت أضخم وأعلى وأقوى من الوطن ومن الموضوع ومن الأفكار. وصراع الذات أو آفة الشخصنة في الأمة العربية هي التي جعلت الإسلام الواحد ألف إسلام وألف عقيدة، لأن كل شخص من هؤلاء الذين نسميهم علماء يربط الدين بذاته وهواه وما يظن واهماً أنه الصواب. وهؤلاء اتخذوا إلههم هواهم، وأضلوا الناس بعلم أو بجهل، فأصبح الدين هو العربة التي يجرها حصان الذات والهوى، وما يرى الزعماء الدينيون الذين صاروا أكثر من الهم على القلب أنه الصواب.

وآفة الذات المتورمة والمتضخمة هي التي تقود الأمة إلى هاوية سحيقة وإلى المجهول ويولد فيها كل لحظة ديكتاتور أو زعيم لا يرى إلا نفسه ويعمى عن رؤية وطنه وأمته والآخر الذي يرفضه تماماً. ونحن العرب ليست أفتنا أننا لا نقبل الآخر الأجنبي أو الغربي أو الإسرائيلي، بل آفة العربي الأخطر أنه لا يقبل الآخر العربي، لذلك سيظل العرب على سرير مرض تضخم الذات، أو سرير القلب الموجوع بين الذات والموضوع!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا