• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

«لاندروڤـر» الإنجليزية.. تستعيد ماضيها العريق ضمن فعاليات قصر الحصن

(المواتر) في الإمارات.. بعد (التفنيش)!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 17 فبراير 2015

نوف الموسى (أبوظبي)

يرتبط تاريخ حضور (السيارة) الإنجليزية، في المنطقة المحلية، بالانتداب البريطاني في عهد الإمارات المتصالحة، حيث كان يشتريها أهل المنطقة من القوة العسكرية البريطانية المتواجدة آنذاك، وذلك بعد وصولها إلى مرحلة (التفنيش)، وهي انتهاء مدة خدمتها بالجيش، حيث تُعرض للبيع في باحة تتخذ شكل السوق، الخاضع لنظام (المزادات)، وصولاً لأفضل سعر، ويجدر القول إن فعل الشراء والاقتناء للسيارة وقتها، كان مقتصراً على مجموعة من الأشخاص المقتدرين، حيث مثلت السيارة بالنسبة لهم، مصدراً وسبيلاً مهماً للحصول على لقمة العيش والظفر بالرزق المتنوع، من خلال استثمار المركبة في نقل الحاجيات والأمتعة عبر طرق التجارة المختلفة، إلى جانب الاستخدامات اليومية للأفراد في المجتمع نفسه. ويُعد حضور سيارة «لاندروڤر»، كنموذج تفاعلي للشرطة المحلية في مهرجان قصر الحصن، إعادة لتجسيد التأثير التاريخي، لتلك المركبة، ودورها في صياغة متغيرات المجتمع المحلي، ومنها على سبيل المثال، نشوء ظواهر رصف الطرق، وتأسيس حالة من فنيات العمارة الحديثة، وتاريخياً فإن دخول السيارات البريطانية للمنطقة، بدأ في أربعينات القرن الماضي، وسبق ذلك دخول السيارات الأميركية.

مفهوم السيارة

يتيح المهرجان رسم المشهدية الاجتماعية، لمفهوم السيارة في المجتمع المحلي، من خلال توفير مساحات عرض لأكثر من سيارة من فئة «لاندروڤر»، وزعت بالقرب من مقر شرطة قصر الحصن، بمقر الحدث، متخذةً عدة ألوان مستخدمة في طلائها، من بينها الأخضر والأحمر الغامق، رغم الشهرة الواسعة للون القريب إلى “البيچ”، في تلك النوعية من السيارات، التي شهدت إقبالاً نوعياً من الأطفال وأُسرهم، ممن بادروا بالتقاط مجموعة من الصور الفوتوغرافية بالقرب منها. واللافت في قراءة السيارة، هو إمكانية ابتداع الحالة الإنسانية للعلاقة الحديثة بين إنسان المنطقة والسيارة، ممثلةً بالصندوق الخلفي مفتوح السقف، وهو ما يمكن اعتباره بالمكان المخصص لجلوس مجموعة من أفراد الشرطة، وهم يحملون أسلحتهم، ضمن إحدى دوريات الحماية اليومية لـ «الفرجان»، إلى جانب أن الصندوق الخلفي للسيارة، في وقت متقدم، تم عبره نقل الأطفال إلى المدارس، إذاً فالمقصورة الخلفية قد تسرد شيئاً من التماهي التاريخي، ببعده التراثي، حول ماهية تأثيرها على من مروا بها، وجلسوا فيها، إضافة إلى لغة الارتباط مع المنطقة المفتوحة، خاصة أن أهل المنطقة استثمروا السيارة، في موازاة استخدامهم للدابة، بأنواعها، سواء الجمال أو الخيول، والتي تتيح للراكب مجازياً تعبير الفضاء المفتوح، مقارنة بالصناديق المغلقة للسيارات الحديثة ككل، في الوقت الحالي!

لا نعلم تحديداً كيف يتصور زوار قصر الحصن، فعل المصابيح والإنارة، الحاضرة في مقدمة سيارة «لاندروڤر» القديمة، وما مدى اختزالها للحظة اكتشاف المصادر المتنوعة للطاقة في ذاكرة الأوائل من أهل المنطقة، وكيف تعرفوا على الكهرباء الآلية، وهم لا يزالون يستخدمون (الفنر) وهو الفانوس المعتمد على (الكاز) لإشعال الفتيل المستخدم فيه. والإضاءة هنا.. قدمت وجهاً لمسارات بوادر التعامل مع الحداثة، بوصفها مبعثاً لإثراء فضول الإنسان، وتحفيزه للمشاركة في تكوين عناصر البيئة المتجددة، خاصة أن السيارة، ساهمت في ولوج الكثير من الأشخاص لتعلم (الميكانيكا) المبسطة، تبعاً لاحتياجاتهم اليومية في التعامل مع أعطال السيارة، وهو مؤشر لافت، لمدى جاهزية أصحاب السيارات، من أهالي المنطقة، لخوض غمار التعلم، حيث أن الكثير منهم، كان يتعرف على موقع الخلل عبر الصوت الصادر من السيارة مثلاً، والمتعارف عليه أن نسبة الأعطال وتفاصيلها كانت معروفة ومحدودة، لذلك فإن مقتني السيارات، استطاعوا إصلاحها وابتكار مختلف الحلول.

ذكريات سائق

من بين تلك المواقف، المجسدة لعلاقة إنسان هذه الأرض، مع السيارة بوصفها مصدراً للعطاء، ما ذكره أحد معاصري السيارات القديمة، وتاريخها، في المرحلة السابقة، وهو عبدالمجيد محمد حاجوني، من إمارة الشارقة، سارداً إحدى تلك التحديات الميكانيكية لسيارة «البيدفورد» وهي أيضاً من السيارات البريطانية الثقيلة، المتخصصة في حمل البضائع، واستخدمها أهل المنطقة بالتوازي مع سيارة «لاندروڤر»، موضحاً أنه في فصل الشتاء، يصعب أحياناً تشغيل السيارة لبرودة الطقس، فيعمد (الدريول) أو السائق لإحضار عصا ولفها بقطعة قماش وإشعال النار بها، وتحريكها حول السيارة، من كل جوانبها، لإيصالها إلى مرحلة التدفئة، ومن ثم تشغيلها بواسطة (الهندل) أو (السلف)، وهــو مفتاح تشغيل السيارة، بعكس فصل الصيف، إذ كانوا يقومون بصب الماء على (ماكينة) السيارة، وعلى الأجزاء الداخلية، للتقليل من تأثير درجات الحرارة العالية.

من جهة أخرى، فإن المفردات المتعلقة بالهندسة الميكانيكية، كمفردات «الراديتر» و»الماكينة» و»المواتر»، أصبحت ضمن قاموس المنطوق به، في اللهجة المحلية، وانتقلت عبر الأجيال، بانسيابية وقبول. وأدبياً، وعلى مستوى الشعر في الإمارات، يلحظ المتتبع حضور مختلف المفردات المتعلقة بحالة السيارة وفعلها الاجتماعي في المنطقة، ومنها ما وصفه الباحث مؤيد الشيباني، في كتابه التوثيقي بعنوان «أحمد بن علي الكندي المرر-صورة المكان وسيرة القصيدة». وفيه يتحدث الشاعر الكندي عن رحلة قنص، قضاها مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عبر قصيدة شعرية، يذكر فيها مفردة (المواتر)، قائلاً الشاعر: «طرشنا مع الحاكم نهارٍ نوى بيشوم.. معزّم على المقناص عجلٍ وقصّادِ، لطيف المخوّة سبع ظلما خفيف النوم.. قوي العزايم مقتدر وين ما رادِ، شعاهن من الظفرة تدواس صبخ وحزوم.. ورملٍ كما لجبال واسيوح تنقادِ، إلى ظفار والجدّه وهو حقّهن جيدوم..جداد المواتر لي مشت تقطع العادِي». ويوضح الباحث تفسيره لمفردة (المواتر) قائلاً: «وهي مأخوذة من موتور بالإنجليزية».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا