• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

قليل من الخيال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 10 يناير 2017

ميكانزمات الدفاع هي الحيل والأسلحة النفسية التي يدافع بها الإنسان عن نفسه في مواجهة مثيرات القلق والتوتر التي يتعرض لها يومياً، من خلال مواجهة الواقع وما يُملى عليه من الخارج.

والعلو والترقي حيلة دفاعية شعورية يقوم بها الفرد حينما يتعرض لمثيرات القلق والتوتر، حيث يستطيع الترفع بالمشاعر العدوانية الكامنة بداخله نتيجة التعرض لتلك المثيرات وتحويل السلوك السلبي الناتج عنها تباعاً إلى سلوك إيجابي مقبول اجتماعياً يحد من شدة التوتر، ويحفظ له مكانة اجتماعية محترمة تساعده أكثر على حفظ اتزانه النفسي، وهذه الحيلة منتشرة بشكل كبير وشائعة الاستخدام لقدرتها الفريدة على حفظ السلامة النفسية للفرد، حيث أشار البعض إلى أن أعظم الأعمال الأدبية، وبالطبع الشعر والقصص والمدينة الفاضلة، ما هي في الأصل إلا حالة من حالات الترقي عن مشاعر عدوانية سابقة، ولكن أشهر الأمثلة على الإطلاق في استخدام سلاح العلو والترقي هي العقائد الدينية وما يتبعها من أخلاقيات ومبادئ محترمة ومقبولة اجتماعياً، فالدين يشكل أعلى وأسمى طرق الترقي بتحويل المشاعر السلبية مثل الإثم والذنب إلى مشاعر إيجابية عن طريق التوبة والصلاة وإتباع الفروض، فالدين يأخذ الفرد من أحط أنواع الأفعال المدمرة لسلامته النفسية بالمشاعر السلبية القاتلة إلى أفعال رفيعة المستوى ومشاعر شديدة الإيجابية فعالة بناءة مثمرة تفيده وتفيد مجتمعه، لهذا لا خطر عليكم من فرط استخدام تلك الحيلة، بل بالعكس أكثروا من استخدمها فهي إيجابية تحقق السعادة.

وسلاح الخيال والتصور من أسلحة الإنسان التي يدافع بها عن نفسه في مواجهة مثيرات القلق والتوتر ولكنه سلاح محفوف بالمخاطر، فالخيال شيء متعلق بالإدراك والتذكر والنسيان وما إلى ذلك من العمليات العقلية المعرفية، وفرط استخدام ذلك السلاح أمر مخيف لما ينتج عنه من مرض، ولكن الاستخدام الأمثل له يضمن للفرد تخفيفاً شديداً من حدة التوتر والاضطراب، حيث يتخيل الفرد نفسه بعيداً عن أي مثير مقلق، فيحيا مشاعر إيجابية محققاً لذاته السعادة والسرور، مبتعداً تماماً عن الواقع المؤلم المحيط به، والإفراط في استخدام ذلك السلاح ينتج ما يسمى أحلام اليقظة، حيث يهرب الفرد هروباً بلا رجعة إلى عالم تخيلي يضمن له السعادة، فيصبح منعزلاً عن الواقع، رافضاً له وهشاً في مواجهته، ويصبح الخيال هو عالمه الخاص به، وتزداد العزلة يوماً بعد يوم، وتزداد أحلام اليقظة وأحلام الغفوة، فيغرق الفرد في عالم آخر لا يعود منه أبداً، لهذا احذروا الخيال إلا القليل الذي يحقق السعادة للحظات من الزمن مسروقة من واقع مضطرب.

مصطفى حامد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا