• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

أجانب استوقفتهم أصالة الصناعة في مهرجان قصر الحصن

(السَّرود).. يكشف الإبداع الاجتماعي للتراث الإنساني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 16 فبراير 2015

نوف الموسى (أبوظبي)

«لماذا اشتروا هذا العدد من (السراريد)، أين سيضعونها، ولم كل هذا الاحتفاء بها؟».. سؤال يتبادر إلى ذهن المتابع، خلال مشاهدة زوار وسواح أجانب، قدموا إلى مهرجان قصر الحصن، واهتموا بشراء أكثر من قطعة لـ»السرود» وهي سفرة الطعام التراثية المصنوعة من سعف النخيل. ومن بين تلك العائلات الأجنبية التي زارت الحدث، وتوقفت كثيراً عند الإبداع الاجتماعي للحياكة المنزلية المحلية، هي عائلة جورج كاستانيدا، الذي كان يحمل بين يديه 3 أشكال مختلفة لـ «السرود»، ومعه زوجته إسكرا ڤولكينا، حيث جلسا بالقرب من صانع الحبال، وتأملا أبعاد فعل الألياف المستخدمة أيضاً من شجرة النخيل، واللافت في ذلك كما أوضحت إسكرا، هي القدرة المتناهية في التعامل مع الطبيعة، وما وفرته البيئة المحلية للأفراد في المنطقة، معتبرة أن «السرود» في العمق الإنساني لأهل المنطقة، يوازي أصالة صناعة السجاد، لمختلف ثقافات العالم، وسر شرائهم له، إنما رغبتهم في أن يشكل جزءاً من بحثهم الدائم عن إيقاع التراث، الذي بحسب وصفها، يجعلنا جميعاً مهما اختلفت بلداننا وتاريخنا، نلتقي في الجوقة الموسيقية الإنسانية الواحدة، خاصةً أنهم يواجهون افتقادهم لشكل الاهتمام بالتراث، الذي يلقى اهتماماً مغايراً محلياً.

السلام الداخلي

جاء تفسير جورج، لأهمية التراث، واهتمامهم بزيارة أغلب الفعاليات المحلية، في ما تقدمه من إحساس يشعر به المتلقي ويمكن تسميته بـ (السلام الداخلي)، والذي يعكسه مشهد العفوية، والبنية الاجتماعية، وطرق المعيشة، التي يمكن قراءتها وملاحظتها، من مختلف البيئات البحرية والبدوية والجبلية، أو المزيج من بينها، واللافت كما يتفق جورج وإسكرا، هو بقاء تلك التفاصيل التراثية، كصناعة (السرود) مثلاً في روح صُناعها إلى الآن، رغم التحول الكبير، الذي يشهده العالم، وليس المنطقة فحسب، مبديان إعجابهما بفكرة إحياء تلك المنسوجات السعفية، متسائلان عن أهمية إتاحة فرص أكبر للتعرف على تلك الحياكة المحلية والشعبية، عبر دراسة مرتكزات الفعل الاجتماعي لها، وقالت إسكرا حول ذلك: «أعتقد بأننا نحتاج لمساحات حوار أعمق، للتعرف أكثر على الأبعاد المجتمعية لدولة الإمارات، والتراث فرصة ثرية لذلك»، مضيفةً أنهم يسعون للمعرفة التاريخية، من خلال تواجدهم في الإمارات، واستثمارهم للورش التعريفية التي تقدمها المؤسسات الثقافية المتعددة.

بعد التعرف على انطباعات عائلة جورج كاستانيدا، والتي يكمن فيها، أحد أهم آثار مهرجان قصر الحصن، نتوصل إلى ما يمكن للتظاهرة صناعته في قدرتها المتناهية على إعادة قراءة التاريخ، وتحديث أشكال البحث، حول ما عمد إليه الأوائل، في تشكيل (الذهنية) لمفردات المعيشة، وابتداعها للاستمرار، فبالنظر إلى «السرود» كمفردة جمالية، وشكلها الدائري، وتموجات حركة السعف المتداخل، واحترافية حياكتها، ومدى تأثير دخول الألوان، في بيان ما فكرت به النساء، فإنه بذلك يضفي معنى مختلفا للسرود، ليتحول من مجرد سفرة للطعام إلى مكاشفة قصوى وحرية إبداعية. أم خالد، إحدى المشاركات في قسم صناعة «السرود» في المهرجان، وبالسؤال عن هذا الفن التراثي العريق، تقول: «تعلمت هذه المهنة بعمر صغير، وبالنسبة لي، العمل فيها يحتاج إلى تركيز وصبر، في الحقيقة كل شيء عشناه ونعيشه يحتاج للتأني، كالصلاة تماماً، فهي أيضاً تتطلب منا الصبر».

حركة الأيدي

استغرقت أم خالد في استكمال حياكة «السرود» من سعف النخيل، وفي أوج التركيز على حركة الأيدي المعتادة على الخياطة، يستوقف المشاهد تساؤل: «أم خالد، من أين أتتكِ فكرة الأشكال، التي نشهدها وكأنها مرسومة على (السرود)، أنتِ ترسمين، أم تتخيلين مشهداً ما، أم من مشاهدات سابقة لك لبعض الأشكال في الطبيعة مثلاً، أو في البيئة القديمة، ما الذي ألهمك، ما الذي جعلك تضعين السعف الملون بهذه الطريقة، ولماذا هذه الزوايا، نرى أن هناك أشكالاً دائرية مكبرة وملونة في السرود نفسه، هل يمكن أنه جزء من تأثرك بمشهد القمر في الصحراء، أم من شكل (الطوي) أو البئر، الذي يأخذ من جُبّه، شكلاً دائرياً، متوسطاً (حوش) الكثير من البيوت المحلية، أم تؤمنين بفكرة التواتر الحضاري، فبالنظر إلى السرود، يتبادر إلى الذهن، تلك الرقصة الصوفية العريقة التي يستخدم فيها (التنورة) المزركشة، ألا ترين بأن هناك شيئاً يذكرنا بتلك القطعة الدائرية، التي تمثل هي الأخرى، واجهة تراثية احتفالية عربية؟

ابتسمت أم خالد وقتها، وأكدت أن المنحى الجمالي، الذي نراه ونلحظه، في تلك الخطوط، والفعل الدائري للأشكال، ترسمه من مخيلتها الخاصة لتتصور الأشكال، وتمزج الألوان بتداخل مع اللون الطبيعي للسعف، مبينةً أنه في الماضي، لم تكن هناك أية معرفة بالألوان المستخدمة لطلاء السعف، وأنها دخلت فيما بعد، وكان يعتمد أهالي المنطقة لوناً موحداً، مرتبطاً بطبيعة شجرة النخيل نفسها. وأضافت أم خالد، أن الذاكرة تنقلها هنا، إلى جمالية أخرى، يندرج منها فعل صناعة السرود، وهي خياطة (التلي)، وهو الشريط المطرز والمنسوج بالخيوط القطنية ذات الشرائط الذهبية أو الفضية اللامعة، قائلة: «أنتم تسألوني عن كيفية صناعتنا لأشكال (السرود)، فما بالكم إذاً بصناعتنا لـ»التلي»، باعتقادكم كيف قمنا بخياطة تلك المنسوجات، باستخدام (الكاجوجة)، تلك الوسادة المستندة على قاعدة معدنية». حديث أم خالد عن تلك المعاني الأزلية في فكرة الخياطة نفسها، تقدم بعداً اجتماعياً رافق القصص التراثية، مع كل رغبة في الحياكة، كانت هناك طريقة للتعبير، شأنها كشأن الكتابة في التوثيق، وفعل الموسيقى الشعبية بالذاكرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا