• الخميس 21 ربيع الآخر 1438هـ - 19 يناير 2017م

روسيا وظاهرة «الأرامل السود»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 01 يناير 2014

أثارت سلسلة التفجيرات التي هزت روسيا في الأيام الأخيرة مخاوف مبررة تتعلق بالسلامة والأمن قبيل الألعاب الأولمبية التي ستنظم في مدينة سوشي الروسية، لكن هناك مسألة أخرى تثير انتباه المراقبين في الخارج والمتمثلة في إقدام النساء خصوصاً على تنفيذ أحد أسوأ الأعمال الإرهابية في الفترة الأخيرة، ومع أن مشاركة النساء في التفجيرات الانتحارية وارتكابهن لعمليات إرهابية ليس جديداً في الصراعات وبؤر التوتر العالمية بدءاً من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وليس انتهاء بالحرب في سيريلانكا، إلا أنه مع ذلك يبقى دور «الأرامل السود»، كما درجت وسائل الإعلام على تسميتهن، لافتاً في التمرد الطويل والممتد بشمال القوقاز.

فحسب المعطيات الأولية عن التفجير الذي استهدف يوم الأحد الماضي محطة القطارات في مدينة «فولفوجراد» الروسية، بالإضافة إلى تفجير آخر طال حافلة لنقل الركاب، مخلفاً خمسة قتلى، كانت تقف وراءه امرأة، هذا بالإضافة إلى حالات أخرى من الانتحاريات النساء اللواتي يعتقد أنهن كن وراء تفجير مترو موسكو عام 2010 الذي خلف حصيلة ثقيلة من القتلى وصل عددهم إلى 38 شخصاً، ثم توالت التفجيرات النسائية لاحقاً مثل حصار أحد المسارح بموسكو عام 2002 والهجوم الدموي على إحدى المدارس في 2004، وكلها هجمات تقتسم مشتركاً واحداً يتمثل في مسؤولية النساء عن تنفيذها. وترجع أول عملية قامت بها امرأة من اللائي يطلق عليهن «الأرامل السود» إلى عام 2000 عندما قادت «خافا باريفا» شاحنة مليئة بالمتفجرات داخل مبنى تابع للقوات الخاصة الروسية في الشيشان.

ووفقاً لما نقلته الصحفية «آنا نمتسوفا» في موقع «دايلي بيتس» الإخباري في شهر أغسطس الماضي، «بلغ عدد الانتحاريات في روسيا على امتداد 12 سنة الماضية نحو 46 امرأة قمن بـ 26 عملية إرهابية، وفي بعض الأحيان كان العديد من النساء يشاركن في العملية الواحدة، واللافت أن أغلبهن ينحدرن من الشيشان، أو داغستان»؛ وأمام ظاهرة النساء الانتحاريات التي بدأت تتنامى في روسيا انتبهت الدراسات السوسيولجية والنفسية إليها وسعت إلى تسليط الضوء على بعض أسبابها.

وفي هذا السياق، أعدت عالمتا النفس «آن سبيكهارد»و «كابتا أكيمودوفا» دراسة كشفت أن «جميع الأشخاص ضمن عينة البحث مروا بتجارب نفسية مريرة، وأبانوا عن أعراض مألوفة لدى أصحاب الصدمات النفسية...وتبدأ المسيرة في جل الحالات تقريباً بمعاناة نفسية عصيبة يمر بها الشخص وصدمة قوية يتعرض لها تجعل الشخص أكثر انجذاباً إلى الجماعات المتشددة ويعتنقون الأيديولوجية الجهادية في وقت يتصارعون فيه مع مشاكلهم ومع خسارتهم وفقدانهم لأحبائهم»، وأضافت الدراسة أنه «ولا واحدة من هؤلاء النساء بدا أنهن تعرضن للإكراه، أو تم إغراؤهن لتنفيذ العمليات الانتحارية، بل انضممن بمحظ إرادتهن».

وتتوسع الباحثة نمتسوفا حول الدوافع التي قد تكون حاسمة في دفع هؤلاء النسوة إلى تنفيذ عمليات انتحارية، ففي منطقة القوقاز المحافظة تعتبر الموضوعات المرتبطة بالحرمان العاطفي من المحرمات التي يصعب الحديث عنها داخل المجتمع، بل لا تطرق هذه المواضيع حتى في دائرة الصديقات المقربات، بحيث يُنتظر من النساء أن يكبحن مشاعرهن ويبقين إحباطهن قيد الكتمان، هذا الأمر لاحظته إحدى ناشطات حقوق الإنسان «خيدا سارتوفا» التي أجرت لقاءات عديدة مع نساء المنطقة في محاولة للنبش في معاناتهن النفسية التي ربما تدفع امرأة مسلمة للالتحاق بحركات متشددة، حيث قالت «إنهن يتحدثن فقط عن المشاكل الروتينية في البيت دون أن يتطرقن أبداً إلى الإشكالات الأخرى المرتبطة بعلاقتهن الخاصة، بسبب الخوف من نظرة المجتمع»، وتضيف الناشطة الحقوقية أنه بالنسبة للنساء اللواتي اعتُقل أزواجهن، أو فُقدوا في الحرب واللواتي يتعرضن لتهميش المجتمع وإقصائه لا يوجد لديهن منفذ للتعبير عن ألمهن، وحزنهن، بل إن التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها ظاهرة «الأرامل السود» عمقت من معاناة النساء القوقازيات في مجتمعاتهن بعدما أصبحن عرضة للمعاملة السيئة، الأمر الذي يدفعهن أكثر إلى التطرف. لكن مع ذلك لا يمكن سحب نموذج السيدات المحبطات على جميع الحالات، فحسب ما نقلته «يوليا يوزيك» مؤخراً في مقال لها بمجلة «شؤون دولية»، لا يبدو أن «ناديا أسيالوفا»، التي نفذت عملية انتحارية في شهر أكتوبر الماضي تنتمي إلى نموذج النساء المحبطات فقد «كانت تعيش وتدرس في موسكو لسنوات، وكانت تعمل في وظائف مختلفة»، ويبدو أن إقدام هذه السيدة على تفجير نفسها لا يرجع إلى صدمة نفسية ناتجة عن فقدان قريب على يد القوات الروسية بقدر ما يرجع إلى أن التفجير كان ببساطة الوسيلة الأسهل لتنفيذ عملية من هذا النوع.

ومهما كانت الأسباب والدوافع التي تقف وراء العمليات الأخيرة التي نفذتها نساء قوقازيات، يبقى الأكيد أن هذه الأسباب لن تختفي بسهولة ولن تزيلها الإجراءات الأمنية الصارمة التي تتخذها السلطات الروسية قبيل موعد الألعاب الأولمبية.

‎جوشوا كيتينج

محللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا