• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لدى أرباب السياسة الأميركيين اعتقاد راسخ من أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيفتح الباب أمام انسحاب دول أخرى بما يهدد بانفراط عقد الاتحاد الأوروبي برمته

دعوة أميركية لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 23 أبريل 2016

مارك شامبيون*

يعتزم الرئيس أوباما القيام برحلته إلى بريطانيا هذا الأسبوع للوقوف على مستجدات قضية انسحاب بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي، في وقت لا يخفي فيه دعاة حملة الانفصال قلقهم من هذه الزيارة ولا يترددون عن وصف أوباما بأنه ضيف ثقيل غير مرغوب فيه. إلا أنه مصمم على طرح الموضوع بدعوى أن للولايات المتحدة مصلحة ببقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد، وبما يملي عليه واجب الحديث بوضوح عن تلك المصلحة مع أصحاب الشأن. ويحتاج الناخبون البريطانيون الآن للإصغاء باهتمام إلى ما يريد قوله حول الموضوع، وخاصة لأن أنصار حملة الانسحاب يعلقون أهمية كبيرة على تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة لو نجحوا في مساعيهم الانفصالية.

ومن المنتظر أن يعلن أوباما عن موقفه الواضح لمضيفيه بأن الولايات المتحدة تفضل بقاء بريطانيا في الاتحاد. وهي دعوة لن تلقى الاستحسان عند دعاة «الانفصال» الذين يراهنون على مبادلة الولاء لأوروبا بتحالف أقوى مع الأصدقاء الحقيقيين من الدول الناطقة بالإنجليزية (الأنجلوسفير) وعلى رأسها الولايات المتحدة ذاتها.

ويتعيّن على البريطانيين أن يتحرروا من الأوهام التي توحي لهم بأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف يضمن لهم عقد اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة تفوق في عوائدها ما تتيحها لهم عضويتهم في الاتحاد الأوروبي. ويكون على الولايات المتحدة في المقابل أن تتفاوض الآن مع بريطانيا حول عقد أفضل اتفاقية ممكنة وأكثرها انطواء على العوائد للبريطانيين حتى يتخلوا عن فكرة الانفصال عن الاتحاد.

واستهل رئيس بلدية لندن «بوريس جونسون» الذي اشتهر بتأييده لفكرة الانسحاب عن الاتحاد، زيارة أوباما، بالدعوة لتنظيم إضراب استباقي يهدف إلى إفشال نتائج الزيارة بعد أن وصف المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة في هذا الصدد بأنها محض «نفاق». وشكك محللون وسياسيون آخرون في الافتراض القائل بأن الولايات المتحدة ذاتها ترغب بالفعل ببقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد. وعبر «جون بولتون »، السفير الأسبق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة في عهد بوش الابن من خلال حديث مع صحيفة «ديلي تلغراف» عن اقتناعه بأن بريطانيا ستكون أكثر فائدة للولايات المتحدة لو انسحبت من الاتحاد. وبدوره، اعترض كاتب العمود السياسي في موقع «بلومبيرج فيو» راميش بونورو على الفكرة القائلة بأن بقاء بريطانيا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي ينطوي على فائدة أكبر للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من هذا الجدل الذي لا يكاد ينتهي، فإن من الجدير بنا أن نتذكر أن الولايات المتحدة كانت تؤيد مشروع الاتحاد الأوروبي منذ عقد الأربعينيات. وفي ذلك الوقت، وقفت الولايات المتحدة في صف فرنسا ضدّ بريطانيا من أجل السعي لإنشاء مؤسسات دولية مندمجة في عصر ما بعد الحرب الباردة في أوروبا بدلاً من الإبقاء على الكيانات الحكومية المنفصلة التي كانت تنادي بها بريطانيا وتدعو لها.

ولقد شرحت دراسة أكاديمية حديثة هذه النقطة بالقول: «من خلال معارضتها لكل الأفكار والأطروحات التي تدعو إلى قيام تكامل يلم شمل القارة الأوروبية، كانت بريطانيا تتمسك بقناعة راسخة بفكرة إقامة علاقات خاصة مع الولايات المتحدة. وكان من سخرية الأقدار أن هذا الموقف أزعج الولايات المتحدة ذاتها وأساء للعلاقات الخاصة التي كانت بريطانيا تحرص على ترسيخها بين البلدين». ومما يثير الكثير من مخاوف الولايات المتحدة هو أن لدى أرباب السياسة الأميركيين اعتقاداً راسخاً من أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف يفتح الباب أمام انسحاب دول أخرى بما يهدد بانفراط عقد الاتحاد الأوروبي برمته، وهو تطور يتناقض مع المصالح السياسية للولايات المتحدة، ويجدر بنا أن نتذكر أن الاتحاد الأوروبي تأسس نتيجة عمل مضنٍ دام 70 عاماً، ولا شك أن تفتيته وتجزيئه سوف يخدم الطموحات العدائية الروسية في أوروبا ولن يخدم الأميركيين بأي حال من الأحوال.

وعندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل التجارة العالمية والأسواق الحرّة، والاهتمام بالمشاكل والقلاقل التي تستثيرها روسيا، أو بالاستغلال الأمثل للقوى العسكرية، فإن بريطانيا ستكون حليفاً أفضل للولايات المتحدة وهي منضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي، وهي أفضل أيضاً بالنسبة لأكثر من 500 مليون أوروبي من الذين يُصنفون بين أغنى شعوب العالم، وأما بريطانيا المنعزلة المنطوية على نفسها، فستكون لها قيمة استراتيجية أضعف بكثير. ولن يكون لها تأثيرها الفعال في المفاوضات المتعلقة باتفاقية «التجارة عبر الأطلسي»، ولا بالشراكات الاستثمارية، وسوف تفقد قوة تأثيرها في القرارات المتعلقة بالإبقاء على العقوبات المفروضة على روسيا، أو بالقواعد والإجراءات التنافسية البنكية للاتحاد الأوروبي التي تؤثر على الشركات الأميركية بشكل كبير.

ويقول أصحاب الأفكار المعاكسة إن بقاء بريطانيا في منظومة الاتحاد الأوروبي سوف يجعل منها حليفاً أقل فعالية بالنسبة للولايات المتحدة، وهو زعم يفتقر إلى الأدلّة والقرائن التي يمكنها أن تؤيده.

*محلل بريطاني متخصص بالعلاقات الدولية

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا