• الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439هـ - 26 فبراير 2018م

الخرطوم وجوبا .. من شفا الحرب الشاملة إلى «السلام البارد»

اقتصاد السودان في غرفة الانعاش بعد «جلطة» الانشطار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 يناير 2013

محمد كاره (أبوظبي)- في أوخر العام المنصرم ، عاد الهدوء إلى شوارع العاصمة السودانية الخرطوم بعد تظاهرات شارك فيها مئات الطلاب احتجاجا على مقتل أربعة طلاب دارفوريين في جامعة الجزيرة(مقرها مدينة مدني نحو 180 كلم جنوب الخرطوم) ، كانوا يحتجون على الرسوم الدراسية. وأعلنت السلطات السودانية تشكيل لجنة تحقيق في مقتل الطلاب الأربعة كما علقت الدراسة في جامعة الجزيرة. وقبل ذلك وفي منتصف العام شهدت العاصمة وكثير من مدن السودان تظاهرات حاشدة تواصلت على مدى أكثر من شهر ونصف الشهر. وقابلت السلطات الأمنية هذه التظاهرات، التي كانت الأكبر من نوعها منذ تولي الجنرال عمر البشير حكم البلاد قبل نحو ربع قرن، بعنف شديد . وفي اليوم الـ 47 للتظاهرات، سقط برصاص الشرطة ثمانية شهداء وأكثر من 60 جريحاً في يوم واحد بمدينة نيالا في إقليم دارفور المضطرب أصلا. ويبدو أن ذلك ، فضلا عن اعتقال أكثر من ألف ناشط سياسي خصوصا في أوسط الشباب والطلاب ، وضع حدا للانتفاضة التي خمدت فجأة بعد أن حظيت بتغطية إعلامية واسعة من الخارج وقوبلت بتعتيم شديد في الداخل ..وكانت المظاهرات بدأت في 16 يونيو بشعارات منددة بالسياسات التقشفية التي أعلنتها الحكومة السودانية، لكن شعاراتها تحولت فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط النظام. وكانت الحكومة لجأت إلى إجراءات التقشف للتعامل مع العجز الكبير في الموازنة العامة للدولة ، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار في انعكاس واضح لدخول الوضع الاقتصادي غرفة الانعاش بعد ان فقدت الدولة نحو 80٪ من مواردها المالية إثر أيلولة آبار النفط إلى الدولة الوليدة وتوقف التصدير من هذه الآبار عبر ميناء بورتسودان. وبعد كانت منحصرة في الجامعات بالعاصمة امتدت الاحتجاجات إلى أحياء الخرطوم وأم درمان وبحري (المدن الثلاث المتاخمة لبعضها وتشكل أضلاع العاصمة المثلثة ) ومن ثم انتقلت إلى عدة مدن سودانية، ورفع خلالها بعض المحتجين شعارات تطالب بإسقاط النظام، وواجهتها السلطات بإجراءات أمنية، مع الإصرار على المضي قدما في إجراءات التقشف.

وابتدع الناشطون ومنظمو التظاهرات إطلاق أسماء مثيرة للانتباه على الجمعات التي دعوا فيها للتظاهر، ما أضفى إثارة إعلامية لدعوات التظاهر . ورغم أن هذه الأسماء التي كانت تطلق على هذه الجمعات غير مفهومة في المحيط العربي فقد دفع ذلك الفضائيات الإخبارية للبحث عن المعلقين السودانيين ليفسروا معانيها ويفكوا طلاسمها، وأضفى ذلك مزيدا من «البهار على طبخة التظاهرات»، وطفقت الفضائيات تبحث وراء الجديد فيها !! وفي هذا الإطار خرجت تظاهرات «جمعة شذاذ الآفاق»، وكان ذلك ردا على رئيس البلاد الذي كان قد حاول الحط من قدر المتظاهرين فوصفهم بأنهم «من شذاذ الآفاق». وتلقف ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي هذه العبارة لتكون محور حملة من السخرية كانت كافية لاستقطاب رد فعل عكسي لما أراد الرئيس. وإضافة إلى «جمعة شذاذ الآفاق» ، نظمت تظاهرات حاشدة في «جمعة لحس الكوع»، وهي عبارة طرحت ردا على الرجل المتنفذ في النظام، نافع علي نافع . وهذا الأخير الذي يشغل منصب الرجل الثاني في الحزب الحاكم ، جبل التهكم من المعارضين للنظام واستفزازهم بابتداع عبارات وأمثال من التراث ، وفي إحدى حملات التهكم هذه قال نافع إن على المعارضة آن «تحاول لحس الكوع» لو أرادت أن تنجح في إزاحة النظام ، وذلك في كناية على استحالة المهمة .وتلقف منظمو التظاهرات أيضا هذه العبارة ليطلقوها على إحدى «الجمعات» معتبرين أن هذه التظاهرة ستجبر رجال النظام على «لحس الكوع» .. أما «جمعة الكنداكة» فقد كان انتقالا من مرحلة التهكم بالنظام إلى مرحلة أخرى تكمن في تمجيد المرأة السودانية خصوصا الأم التي احتملت عذابات اعتقال ابنها أو ابنتها ..و كلمة «الكنداكة» صفة كانت تطلق على الملكات السودانيات اللائي كن يتولين شؤون الحكم كما ورد في سير التاريخ الخاص بأقصى شمال السودان في زمن غابر ..وفي مرحلة من مراحل التظاهرات ، دعت الأمم المتحدة الحكومة السودانية إلى وقف قمع المتظاهرين وإطلاق سراح المعتقلين «فورا ومن دون شروط». وحثت نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السلطات السودانية على تجنب «القمع المشدد» تجاه المظاهرات التي كانت دخلت أنذاك يومها الـ13. وقالت بيلاي، في بيان ، إن «الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية وأساليب القمع الأخرى لن تمثل حلا للمظالم والإحباط الذي يعاني منه الناس».وكانت تصريحات بيلاي الأحدث في سلسلة من الإدانات الدولية لتعامل الحكومة السودانية مع المظاهرات.فقبلها، قالت فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إن «اعتقال المتظاهرين وسوء معاملتهم» لن يحل مشكلات السودان الاقتصادية والسياسية.كما طالب الوزير البريطاني للشؤون الأفريقية هنري بلينغام «بالإفراج عن الذين اعتقلوا بينما كانوا يشاركون في تظاهرات سلمية». ومن جانبها، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات السودانية إلى «وقف قمع المظاهرات السلمية والإفراج عن الأشخاص المعتقلين»، والسماح لوسائل الإعلام «بتغطية الأحداث بحرية».في هذه الأثناء، وبينما نأت الأحزاب المعارضة بنفسها عن المشاركة في هذه التظاهرات بكامل ثقلها مكتفية بتصريحات تؤيدها ، نظم أكثر من 100 محام وقفة احتجاجية مطالبين بحرية التعبير.ووقف المحامون بزيهم الأسود الرسمي خارج مبنى محكمة في الخرطوم وهم يحملون لا فتات تقول «التظاهر حق دستوري».وفي مدينة ام درمان القريبة من الخرطوم، وقف 40 محاميا في وقفة احتجاجية مشابهة.في تطور لافت مع خواتيم العام ، أعلنت 6 حركات شبابية عن تحالف جديد باسم «شباب الثورة السودانية»، ودعت منسوبيها وجميع المواطنين لتظاهرات في كافة أنحاء السودان ، لكن يبدو أن الدعوة لم تجد صدى كافيا إذ لم تخرج تظاهرات في ذلك اليوم المحدد ولم يقدم التحالف الوليد تفسيرا لذلك ..

ملفات ساخنة

لم تكن التظاهرات فقط هي التي تشكل تفاصيل المشهد السياسي خلال العام الماضي .فقد انفتحت خلال العام المنصرم ملفات ساخنة ، أهمها القضايا العالقة بين السودان ودولة جنوب السودان التي رأت النور بعد الانفصال عن الشمال في يوليو 2011. ولا يغيب عن المشهد ما تشهده ولايتا التماس مع الدولة الجديدة «النيل الأزرق» و«جنوب كردفان» من عمليات عسكرية والتداعيات المرتبطة أو اللاحقة بها من نوع النزوح والهروب من مناطق العمليات إلى مناطق آمنة والاحتياجات المطلوبة للنازحين حيث تستحوذ قضية اللاجئين والنزوح اهتمام المجتمع الدولي لارتباطها بالعوامل الإنسانية الملحة. وتدور هاتان القضيتان في ما يشبه «الحلقة المفرغة» ، وصلت بالدولتين إلى مرحلة «السلام البارد» بعد أن وصلتا في إحدى المراحل إلى شفا «الحرب الشاملة». وبالنسبة لعلاقات السودان بدولة الجنوب والقضايا العالقة، فقد أعلن الجانبان في نهاية المطاف، وبعد جولات من المفاوضات في أديس أبابا والخرطوم وجوبا استغرق العام بكامله تقريبا، انهما وصلا إلى طريق مسدود. وكانت مفاوضات أديس أبابا بين وفدي الخرطوم وجوبا وبرعاية الاتحاد الأفريقي قادت إلى اتفاقات إطارية شكلت خطوة إيجابية من الطرفين إلا أن هذه الاتفاقات لم تجد طريقها للتنفيذ على الأرض . وكانت المفاوضات التي أفضت إلى هذه الاتفاقات تمت بناء على قرار مجلس الأمن رقم 2047 والذي هدد كلا من الحكومتين في الخرطوم وجوبا باتخاذ عقوبات ضدهما في حال عدم الوصول إلى تفاهمات أو اتفاقيات لمعالجة القضايا العالقة بينهما بنهاية سبتمبر 2012 .وفضلا عن هذه الملفات انشغل السودانيون في أواخر العام بأنباء متضاربة عن تحرك «غامض» مضاد للنظام سمته السلطات «المحاولة التخريبية» ولاحقا «المحاولة الانقلابية» واتهم فيها ثلة من الضباط على رأسهم رئيس جهاز الأمن والمخابرات السابق ، الفريق صلاح عبد الله الملقب بـ»قوش» ، ومجموعة من ضباط الجيش عرفوا جمعيا بالولاء للنظام في مراحله الأولى . وجاء ذلك في خضم جدل عن انشقاق محتمل في صفوف «الحركة الإسلامية» التي كانت قد فرغت للتو من عقد مؤتمرها الثامن وطفا فوق السطح، خلال جلساته، خلاف مكتوم بين تيار محافظ منحاز للنظام وآخر إصلاحي يدعو للانعتاق منه. وجاء كل هذه التطورات فيما كانت الشكوك تحيط بالحالة الصحية للرئيس عمر البشير الذي أجبر طبيا على التزام الصمت وعدم مخاطبة الجماهير بعد أن خضع لعمليتين جراحيتين في كل من الدوحة والرياض لاستئصال ورم في الحنجرة.

ولمتابعة تفاصيل هذه التطورات يجد القارئ الكريم في السطور التالية رصدا موجزا لأحداث العام المنصرم بتسلسل تاريخي معكوس يبدأ من آخر العام وينتهى إلى بدايته..

في ديسمبر - أعلن كبير مفاوضي جنوب السودان باقان اموم أن محادثات أمن الحدود بين السودان وجنوب السودان وصلت طريقا مسدودا مما يثير احتمال تأزم يمكن أن يطيل أمد تعطل صادرات النفط ويدفع اقتصاد كلا البلدين إلى شفا الانهيار. وكان الجانبان انهيا مباحثاتهما الأمنية المشتركة في الخرطوم في العاشر من ديسمبر بالاتفاق على استئناف المباحثات الأمنية منتصف ديسمبر بالعاصمة الإثيوبيا اديس أبابا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا