• الأربعاء 06 شوال 1439هـ - 20 يونيو 2018م

بريطانيا جرى إخطارها بأنه ما لم تفِ بتعهدها حول الحدود الأيرلندية، فسيتعين عليها التخلي عن السيادة على بعض أراضيها.

مأزق «البريكست»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 04 مارس 2018

ليونيد بيرشيدسكي*

أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في مسودة اتفاق الخروج البريطاني «بريكست» التي نشرها الاتحاد الأوروبي الأربعاء الماضي، هو عدم اهتمامها تماماً بالفوضى التي تعيشها السياسة الداخلية البريطانية. ويحدث في بريطانيا كل يوم شيء قد يكون خطبة مهمة أو مجادلة محتدمة أو صداماً في الطموحات، لكن موقف الاتحاد الأوروبي لم يتغير منذ الاتفاق المبدئي في ديسمبر أو ربما منذ بدأ الجانبان محادثاتهما.

ومنذ تم التوصل إلى هذا الاتفاق، أرادت حكومة المملكة المتحدة أن تنتقل إلى البنود الخاصة بالتجارة مع الاتحاد. لكنها لم تستطع فعل هذا إلى حد كبير مع استمرار الخلاف بين الوزراء بشأن التفاصيل. وفي الأيام القليلة الماضية، حققت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي توافقاً بدرجة ما وجعلت كبار المحافظين يتفقون على سياسة «الاختلاف المحكوم»، والذي بموجبه تختلف قواعد صناعات مختلفة عن القواعد المماثلة في الاتحاد الأوروبي وبسرعات مختلفة. والفكرة تتمثل في الحفاظ على إمكانية الدخول الكاملة إلى السوق الأوروبية للصناعات التي تحتاج إليها بشدة. لكنّ المفاوضين الأوروبيين يرفضون هذا النمط، ويفضلون خيار الكل أو لا شيء، أي بين اتفاق تجارة لن يتضمن على الأرجح الخدمات وبين العضوية في المنطقة الاقتصادية الأوروبية. وهذا لن يتغير حين تبدأ المحادثات الرسمية في مارس الجاري. وبعد أن سئم ديفيد ديفيس وزير الدولة البريطاني المكلف بملف الخروج البريطاني من الاستماع إلى التصريحات المعادة من بروكسل، تجول كبير المفاوضين البريطانيين في العواصم الأوروبية ليحشد الدعم أو التعاطف على الأقل. وهذا أثار غضب مايكل بارنييه كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي. وهذا خطير أيضاً مع الأخذ في الاعتبار نفوذ بارنييه في عملية الحصول على التأييد في أي اتفاق من مجلس الاتحاد الأوروبي لرؤساء الحكومات، حيث يتعين في نهاية المطاف أن يوافق عليه 20 دولة من دول الاتحاد تمثل 65% على الأقل من سكان التكتل. والمسودة التي نشرت الأربعاء الماضي تمثل بطريقة ما رد بارنييه على ما يراه تملص الحكومة البريطانية من التفاوض الجدي. والمسودة في الأساس تمثل ترجمة لاتفاق ديسمبر بدقة قانونية، لكنها ترجمة أوضحت بشدة زوايا معينة ربما جرى تخفيف حدتها في الوثيقة غير الرسمية السابقة. وتستهدف المسودة تنبيه المملكة المتحدة إلى أن هناك عملاً لم يتم في المرحلة السابقة من المحادثات قد يعصف بأي اتفاق للتجارة.

وأكثر الأجزاء التي من المحتمل أن تثير الجدل هي ما يتعلق بالحدود بين جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية. ففي اتفاق ديسمبر، وعدت المملكة المتحدة فحسب أن تطرح حلاً يتسق مع «ضمانها أن تتجنب قيام حدود صلبة»، وإذا لم تفلح في هذا، ستتمسك بقواعد الاتحاد الأوروبي التي تجعل من الممكن إقامة حدود شفافة. ولأن المملكة المتحدة لم تتقدم بأي مقترح من هذا القبيل، فقد أعدت مسودة اتفاق يوم الأربعاء «منطقة تنظيمية مشتركة» على جزيرة أيرلندا لا تقسمها حدود جمركية، مما يعني أن تبقى أيرلندا الشمالية جزءا من الاتحاد الأوروبي.

وليس هناك محاولة للتوصل إلى حل وسط. ويستطيع المرء أن يقول إن مسودة الاتفاق بشأن بروتوكول أيرلندا الشمالية يرقى إلى ادعاء بالحق في أراضي. فقد جرى إعلام بريطانيا أنه إذا كان لها أن تفي بتعهدها بشأن الحدود الأيرلندية فإنه يتعين عليها أن تتخلى عن سيادتها على جزء من أراضيها. وقالت ماي، الأربعاء الماضي، «ليس بوسع رئيس وزراء بريطاني أن يوافق أبداً» على مقترح الاتحاد الأوروبي، وأنها ستوضح تماماً هذا للاتحاد الأوروبي. ولم تقدم المملكة المتحدة المقترحات التي وعدت بها في ديسمبر، لذا يتمسك فريق بارنييه بالوضع القائم.

والطريقة الوحيدة التي تغير بها بريطانيا هذا هو أن تقدم مقترحاً مقابلاً لا يقيم حدوداً صلبة. لكن التوصل إلى مثل هذا المقترح سيكون صعباً لاسيما مع تقدم الوقت. ومن الزوايا الأخرى التي تم تحديدها بشكل أكبر في مسودة الاتفاق هو الفترة الانتقالية القصيرة بشكل لا لبس فيه والتي تنتهي بنهاية عام 2020. وإذا ظل الجدل بشأن الحدود الأيرلندية دون حل، فإن الموعد النهائي الذي اقترحه بارنييه لا يترك كثيراً من الوقت للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجارة، ليس على الأقل وفقا لمعايير الاتحاد الأوروبي المعتادة لمثل هذه المفاوضات. وهذا الموعد النهائي ليس تاريخاً عشوائياً، بل يمثل نهاية فترة الميزانية الحالية للاتحاد الأوروبي التي وافقت خلالها المملكة المتحدة في ديسمبر على الالتزام بسداد التزاماتها. وهذا تم وصفه بالتفصيل في المسودة مما يقدم زاداً وافراً لتكرار المرحلة الأولى من المحادثات. فقد تضمنت صفقة ديسمبر خمس صفحات فحسب بشأن التسوية المالية، بينما نصيبها في المسودة الحالية 13 صفحة.

ويوضح بارنييه في المسودة، لماي ومجلس وزرائها، أنه لم يتم الاتفاق على شيء، وأن أي شيء يوحي بأن الجانبين تقاربا في أكثر القضايا إثارة للشقاق، ما هو إلا وهم. وتستطيع ماي أن ترفض المسودة، وأن تطبع الوثيقة وتحرقها ببساطة، لكن هذا لن يمحو واقع قلة ما تحقق من تقدم ولا اقتراب الموعد النهائي بسرعة. لقد حان الوقت الذي تطرح فيه بريطانيا شيئاً على الطاولة يكون له معنى لدى المفاوضين على الجانب الآخر، ويتضمن قبل كل شيء مقترحاً واضحاً بشأن الحدود الأيرلندية أو اعترافاً بالدرجة نفسها من الوضوح بأن الوضع الراهن سيؤدي الغرض.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا