• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

واجب في الفلسفة وباب لدوام الودّ في المعاجم والأمثال

لِسان التسامح.. فصيح!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 أبريل 2016

نبيل سليمان

بينما راحت الحرب العالمية الثانية تلملم ذيولها، كان خطاب التسامح يزداد جهارة وثراء وصلابة، في الثقافة، بينما ظل خافتاً ومتلجلجاً، بل ومنافقاً، في السياسة، كما تدلل الحروب التي لم تكد تتوقف. وكلما كان القرن العشرون يقترب من نهايته، كان الخطاب النقيض لخطاب التسامح يضطرم، وليس في السياسة وحدها، بل في الثقافة أيضاً، حتى بلغ الأمر ما بلغه فيما نحن عليه الآن.

في سنة 1993، أعلنت الأمم المتحدة أن سنة 1995 ستكون سنتها للتسامح. وبناءً على مبادرة اليونسكو تقرر في 16/‏‏11/‏‏1995 أن يكون اليوم العالمي للتسامح في هذا التاريخ من كل عام. وقد قالت المدير العام لليونسكو إيرينا بوكوفا في احتفالية العام الماضي إن التسامح فكرة جديدة نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهذا القول غير صحيح. ففكرة التسامح عريقة، إنْ في التراث الأوروبي أم العربي أم العالمي، كما سيتبين فيما يلي، وإن تكن الفكرة قد تطورت، بما أنها فكرة في التاريخ. ومن هنا سيتبين أيضاً مدى التقاطع والتطوير في الفكرة بين ما كانت وما تقول فيها بوكوفا، حيث شددت على أن التسامح شرط من شروط السلام، وركيزة المواطنة المستدامة في عالم تسود فيه العولمة، ونداء لاعتماد نظرة ناقدة تجاه الأفكار المسبقة، وعامل مسرع للإبداع.

والأمر نفسه هو أيضاً بصدد ما تضمنته المادة الأولى من إعلان مبادئ التسامح، حيث جاء أن التسامح هو الوئام في سياق الاختلاف، وهو واجب سياسي وقانوني وأخلاقي، ويسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب. وكما جاء أن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير الثري لثقافات العالم وأشكال التعبير، وهو ممارسة فردية وجماعية ودولية، وينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية، ولا يعني تقبل الظلم أو تخلي الإنسان عن معتقداته، بل يعني أن البشر المختلفين لهم الحق في السلام، ولا ينبغي أن تفرض آراء الفرد على سواه... ومن اللافت هنا أن هذه المادة من إعلان مبادئ التسامح تنص على أنه لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل، بينما ينص (لسان العرب) على التساهل كواحد من معاني التسامح، كما سنرى.

تأثيل التسامح عربياً

رداً على تأثيل الخطاب العنفي المتأسلم جاء تأثيل التسامح في التراث العربي الإسلامي، فهذا يعود إلى زهير بن أبي سلمى، وذاك إلى أبي الطيب المتنبي، وآخر إلى النصوص الشرعية و... وحسبي الإشارة هنا إلى كتاب الصديق عبد الحسين شعبان (فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي) الذي قدم لبحثه بما للتسامح في الفقه الدولي المعاصر، ثم درس التسامح في الإسلام السياسي، ابتداءً مما عده جذر التسامح في الوثائق العربية الإسلامية، من خلال حلف الفضول ودستور المدينة والعهدة العمرية وصلح الحديبية وفتح القسطنطينية، وصولاً إلى أفكار المصلحين العرب والمسلمين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وعلى المستوى الأدبي تذهب الإشارة إلى كتاب راشد عيسى (وساطة الشعر في التسامح الديني والمثاقفة). وقد عدّ المؤلف التسامح الديني بوابة كبرى لدخول أشكال التواصل الثقافي والتجاري والعلمي والأخلاقي جميعاً. والتسامح يعني هنا (ديمقراطية الميدان) اعتقاداً وممارسة. وقد أثّل المؤلف للتسامح في شعر الحلاج وابن عربي والششتري والسهروردي وابن الفارض وسواهم من شعراء المتصوفة، وكذلك لدى جوته وبوشكين وسواهما من أعلام اللسان الغربي. واستطراداً، أشير إلى كتاب الشاعر الراحل حلمي سالم (الحداثة أخت التسامح) والذي جلا مواطن التسامح في شعر البياتي وأدونيس والسياب ونزار قباني وسعدي يوسف وسواهم من المحدثين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف