• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

لا تعدُ بالنصر لكنها تحسّن شروط المقاومة

رهانات الفلسفة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 أبريل 2016

سعيد ناشيد

على الأرجح لن يكون في وسعي اقتراح فكرة جديدة أو استجلاء معلومة غير معروفة، غير أني سأحاول أن أبسط اقتراحاً أكثر بساطة ووضوحاً. أقترح أن نعيد تنظيم بعض المسائل المعروفة وفق ترتيب قد لا يخلو من جدّة وجدوى. ودعنا ننطلق من بداهة بادية لكل الأذهان: من السهولة بمكان الفصل بين الرياضيات وتاريخ الرياضيات، من السهل أيضاً الفصل بين الموسيقى وتاريخ الموسيقى، من السهل كذلك الفصل بين اللغة وتاريخ اللغة، لكن ليس من السهولة بأي حال من الأحوال، ولا من الممكن في الأساس، أن نفصل بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة. إذا تركنا تاريخ الفلسفة جانباً فلن يبقى للفلسفة من شيء يُذكر. لماذا؟ لأنّ تاريخ الفلسفة هو تاريخ العقل الذي يُفترض أننا نفكر به.

في التواريخ الاعتيادية ( تاريخ السياسة، تاريخ العلم، تاريخ الرياضة، إلخ) نفكر فيما تم قوله أو تم فعله في سابق الأزمان، لكن بالنسبة لتاريخ الفلسفة، فإن كل ما سبق قوله أو فعله لا نفكر فيه وحسب وإنما نفكر به أيضاً. إننا حين نفكر في إحدى شذرات هيراقليطس الآن على سبيل المثال، فإن تلك الشذرة نفسها، بنحو أو بآخر، سرعان ما تمثل جزءا من تفكيرنا في نفس الآن. أي نعم، إذا كان تاريخ الفلسفة يمنحنا أدوات التفكير الفلسفي في الحياة والوجود والزّمان والإنسان والأخلاق وغير ذلك، فليست الأدوات هنا سوى المفاهيم نفسها التي نفكر بها ونفكر فيها في نفس الآن: الحياة والوجود والزمان والإنسان والأخلاق وغير ذلك. وهذا ما يجعل الفلسفة وتاريخ الفلسفة شيء واحد، إنه نفس الشيء تقريبا.

غير أن الاقتراح الذي أبسطه هو أن تاريخ الفلسفة، الذي هو الفلسفة عينها، يتألف من ثلاثة خطوط متوازية: الخط الأول، يمكننا أن نصطلح عليه باسم فن التفكير، بمعنى كيف أفكر؟ ( المنهج، المنطق، الشك، النقد... إلخ ). الخط الثاني، يمكننا أن نصطلح عليه باسم فن العيش، بمعنى كيف أعيش؟ ( الحياة، الموت، الحب، الألم... إلخ ). الخط الثالث، يمكننا أن نصطلح عليه باسم فن العيش المشترك، بمعنى كيف نعيش مع بعضنا البعض؟ ( الدولة، الأخلاق، العدالة، المجتمع، الحضارة، القانون، إلخ).

كيف أفكر؟

الخط الأول، كيف أفكر؟ أو فن التفكير: تروم استراتيجية هذا الخط تنمية القدرة على التفكير. هذا واضح. لكن السؤال كيف؟ أليس العقل معطى فطرياً؟ أليس التفكير ملكة طبيعية في الإنسان؟ فهل يحتاج استعمال العقل، والذي نعتبره معطى فطريا في الإنسان، إلى جهد ودربة وتعلم وتعليم؟ وبأي معنى؟ لكن، لننتبه، ثمة منطلق متفق عليه في تاريخ الفلسفة: قدرة العقل على التفكير هشة ومهددة على الدوام. فالعقل نسّاء عند سقراط؛ تخدعه المحسوسات عند أفلاطون؛ خطاء عند ديكارت؛ والوعي معرض للاستلاب والاغتراب حسب ماركس؛ وتخدعه قوى اللاشعور حسب فرويد؛ بل الفكر العلمي نفسه قد تخدعه البداهات واللاشعور الجمعي للعلماء حسب باشلار. من هنا يحتاج تحرير العقل من الأوهام إلى جهد جهيد وذكاء استثنائي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف