• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

مجاذيب السلطة ودراويشها والمسحورون بها والهائمون بحبها يمارسون شهوتهم في ميادين القتال أو على طاولة التفاوض، وكما كانت الحرب كذبة كبرى وعبثاً مقيتاً، سيكون التفاوض والسلام كذبة كبرى أيضاً

السلطة هي الغاية تحت أي راية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 20 أبريل 2016

محمد أبوكريشة*

سبحان مغيِّر الأحوال.. فجأة وبلا مقدمات ولا أسباب انقلبت خشبة المسرح العربي إلى الضد وتغيّرت ديكورات العرض الدامي والمدمر والأنقاض والأشلاء إلى ديكورات أغصان الزيتون وحمائم السلام. وسكت أزيز الطائرات وطلقات الرصاص ليحل محلها صوت التعقل وضبط النفس والإصرار من أعداء الأمس على أن يكونوا أحباب اليوم. كنّا نتمنى ذلك وسعدنا به لكننا مصابون بالدهشة وتحاصرنا أداة الاستفهام (لماذا). وأداة الاستفهام (كيف). لماذا وكيف بين عشية وضحاها يتحوّل الدم والدمار إلى سلام وإعمار؟ وكيف يتبدل سيناريو القتل والذبح والكر والفر في ليبيا وسوريا واليمن والعراق وفي اللحظة نفسها إلى سيناريو مضاد هو التوافق والحوار والبحث عن السلام وتقديم التنازلات والاستعداد لاتخاذ قرارات صعبة والالتقاء في منتصف الطريق؟

مليون هل وكيف ولماذا وماذا حدث؟ هل كان لا بد من السير في هذا الطريق الطويل المفروش بأشلاء الضحايا وأنين الأطفال وعذابات اللاجئين والنازحين وأنقاض المدن والقرى والبيوت والبنى التحتية لنصل إلى النقطة نفسها التي بدأنا منها ولنعود إلى نقطة الصفر والمربع الأول؟

هل كان لزاماً أن يخسر الليبيون والسوريون واليمنيون والعراقيون كل شيء للوصول إلى اللاشيء؟ أو أن يدفعوا كل شيء لشراء اللاشيء؟ هل كان كل هذا مطلوباً ومخططاً ومرتباً سلفاً؟ النتيجة التي أصل إليها دائماً هي أن لا أحد يتآمر على العرب أو يخطط ضدهم أو يتدخل في شؤونهم. ولكن العرب يتآمرون على أنفسهم أو يستدعون من يتآمر عليهم ويتدخل في شؤونهم، بل ويرجونه ويتوسلون إليه أن يتآمر عليهم ويتدخل في شؤونهم ويهيمن على قراراهم. والغاية دائماً هي السلطة مهما تعددت الرايات. الغاية هي السلطة مهما كان لون الراية وشعارها. يصل الفرقاء إلى السلطة قتلاً وذبحاً وفوق جماجم الضحايا أو يصلون إليها عناقاً وتقبيلاً وتفاوضاً على طاولات الحوار. السلطة هي التي تحدد البوصلة، هي التي ترسم الطريق سواء كان طريق الحرب أو طريق السلام.

السلطة هي الجزرة التي يتم التلويح بها للفرقاء من جانب القوى الدولية والإقليمية التي تأمر وتنهي كي يتقاتلوا أو كي يتفاوضوا، لذلك كان التحول الدراماتيكي المفاجئ من الحرب إلى التفاوض في ليبيا واليمن وسوريا والعراق. فعندما تبتعد السلطة عن طالبيها في ميادين القتال يوافقون على التفاوض من أجل أن تقترب منهم. ولا تكاد تسمع في غير العالم العربي ذلك التعبير المخزي المسمى «تقاسم السلطة - والمحاصصة»... لا وجود ولا مكان ولا معنى للأوطان في أذهان وعقول وقلوب وعلى ألسنة من يتقاتلون أو يتظاهرون أو يتفاوضون. والهتاف الشهير الذي أطلقه العرب خلال تسونامي «الخريف العربي» هو «إرحل» - وكان نصفه يقال هتافاً مدوياً في العلن (إرحل) ونصفه الآخر يقال سراً في القلوب (لنحل محلك).. اترك السلطة لنا.. وعندما رحل من رحل في المسرحية الهزلية المسماة «الربيع العربي»، دب الصراع بين الذين هتفوا بالرحيل حول أي فريق منهم يعتلي السلطة.. وكانت الشعوب العربية المغيبة دائماً هي وقود الصراع على السلطة - لم تكن الحروب يوماً بين أنصار الحرية ودعاة القمع.. أو بين أنصار الديمقراطية وأدعياء الديكتاتورية أو ين دعاة الإصلاح وأهل الفساد أو بين الوطنيين والخونة أو بين المؤمنين والكفرة، لكنها كانت دائماً صراعاً بين طالبي السلطة. ورفع شعار (الشعب يريد) كلمة حق يُراد دائماً بها باطل، فالشعب دائماً حجة المتصارعين على السلطة، كل فريق يتحدث باسم شعب آخر غير الشعب الذي يتحدث عنه الفريق المنافس. والحق الذي لا ريب فيه أن الشعوب في هذه الأمة التعيسة هي مثل الزوج آخر من يعلم، فلا هي تعلم ولا هي تريد. يعني لا علم لها ولا إرادة فيما يجري. والشعب يتم الزج به في أجندات طالبي السلطة أو هؤلاء المصابين بشهوة وشبق السلطة. وطالبو السلطة لا يموتون أبداً ولا ينقصون، بل يتزايدون، لذلك لن ينتهي الصراع أبداً في هذه الأمة.

وتسونامي الخريف العربي جعل السلطة في متناول يد كل من هب ودب، ولم تعد بعيدة المنال على أحد، لذلك يتجدد الصراع عليها بين الفينة والأخرى، ولن يقر لدول «الخريف العربي» قرار ما دامت السلطة صارت أقرب من حبل الوريد لدى كل فريق، حيث أصبح بالإمكان إسقاط النظام أو أحد أركانه بوقفة احتجاجية أو مظاهرة أو اعتصام أو حشد الغوغاء في أي ميدان، وهكذا اتسعت رقعة طالبي السلطة في عالمنا العربي وصار من حق كل شخص أو كل فريق أن يصارع عليها لعله يفوز بها. أو بمعنى آخر صارت السلطة بعد تسونامي «الخريف العربي» رخيصة ويمكن شراؤها بثمن بخس.. مجرد مظاهرة أو وقفة احتجاجية أو حشود غوغائية تسمى زوراً مليونيات.

والسلطة وشهوتها وشبقها هي التفسير الوحيد للانتقال المفاجئ والدراماتيكي من ميادين القتال إلى طاولات التفاوض. وكما كان القتال عبثياً ستكون طاولات التفاوض أيضاً عبثية. وكما لم يكن هناك غالب أو مغلوب في ميادين القتال لن يكون هناك غالب أو مغلوب على طاولات التفاوض والوطن وحده هو المغلوب. وكما كانت هناك محاصصة وتقاسم سلطة في مناطق النفوذ أثناء القتال ستكون هناك محاصصة وتقاسم سلطة على طاولة التفاوض.. فالمحاصصة ما زالت وستظل مستمرة سواء كانت محاصصة عسكرية أو محاصصة سياسية.. فمجاذيب السلطة ودراويشها والمسحورون بها والهائمون بحبها يمارسون شهوتهم في ميادين القتال أو على طاولة التفاوض، وكما كانت الحرب كذبة كبرى وعبثاً مقيتاً، سيكون التفاوض والسلام كذبة كبرى أيضاً، خصوصاً أن السلام اختار أبريل شهر الأكاذيب. وهكذا التقى المجاذيب في شهر الأكاذيب بحثاً عن السلطة.

ولو افترضنا جدلاً أن بشار الأسد غادر السلطة في سوريا، فإن صراعاً جديداً عليها سينطلق بين مجاذيبها الذين يسمون أنفسهم معارضة، وأيضاً سيتقاتلون ثم يذهبون إلى التفاوض وربما في أي أبريل من أي عام، تماماً كما حدث مع الليبيين عندما سقط القذافي، فقد أسقطوه معاً، ثم تصارعوا على موقعه في السلطة، وهم ما زالوا يتصارعون على طاولة التفاوض، أو طاولة المحاصصة وتقاسم السلطة. وحدث نفس الأمر في العراق عندما سقط صدام حسين، حيث ما زال الصراع محتدماً على السلطة والمحاصصة والتقاسم. وما دام الصراع قائماً على السلطة عسكرياً أو سياسياً، فستكون النتيجة قبض الريح، وستبقى شهوة السلطة هي الغاية تحت أي شعار أو راية!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا