• الاثنين 04 شوال 1439هـ - 18 يونيو 2018م

الشباب والمشيب... ليل يصيح بجانبه نهار

الشيب.. رسول الردى أو بريد الموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 فبراير 2013

حفل التراث العربي الإسلامي عبر العصور الأدبية بشواهد شعرية ونثرية للكثير من الجوانب الحياتية التي يمرّ بها الإنسان في دورة حياته الطويلة. ومن تلك الأشعار ما أنشده الشعراء العرب عن ظاهرتي الشباب والفتوة والمشيب والكهولة، والحسرات التي يطلقونها حرّى على تلك الأيام الراحلات إلى غير رجعة، وكأنّهم يريدون أن يتشبثوا بالزمن وأن لا تفلت منه عقاربه المسافرات نحو الضفة الأخرى.

عبدالمجيد عبدالحميد

أشار د. عبدالغني أحمد زيتوني في كتابه الإنسان في الشعر الجاهلي أنه قد زاد في” أهمية الشباب، لدى الفرد الجاهلي، أن البيئة التي يعيش فيها، وظروف المعيشة التي تحيط به، والحياة القَبَليّة التي يحياها بغزواتها وغاراتها، تطلبت منه قوّة جسديّة لمواجهتها والتغلب عليها، كي يتمكن من الحفاظ على بقائه واستمرار وجوده، فضلاً عن انّه كان يجد في الشباب، غالباً مجالاً لتحقيق رغائبه في الحياة، وقدرته على تنفيذ كثير من آماله وأمانيه”.

وأضاف: “وبذلك هيأ الشباب للفرد القوّة لخوض الحروب، ومُقاتلة العدو، والصبر على شدائد الحياة في البادية، كما هيأ له أسباب الفتوة القادرة على ضروب اللهو، وشتى مُتع الحياة. وربما كان هذان الأمران مُنطلق الشاعر الأعشى في تصويره للشباب تارة بالرُّمح القويم، ذي السِّنان الحاد اللامع، الذي لا يُشكُّ في قدرته على اختراق الأجسام والنفاذ فيها. وتصويره تارة ثانية بإناء الذهب الذي جهد صانعه في صياغته، فاكتمل بهاءً ورونقاً، وغَدَا وسيلة ماتعة إلى نهل الملذات.

كما يمكن للمتابع أن يستوحي من رؤية الشعراء للشباب عامة أنهم كانوا يعدّونه خلاصة العُمْر وزَهْوه؛ فهم يبدأون في إيراد صور حافلة بمسراته وأفراحه؛ سواء أكانوا في مرحلة الفتوة أم كانوا في مرحلة تالية لها. ففي المرحلة الأولى نجدهم يفخرون بها ويتمتعون به من قوة كبيرة، تجعلهم فُرساناً أشداء في المعارك ومُجابهة الأخطار، ويتباهون بما يمارسون في حياتهم من ملذات، تشبع أحاسيسهم المُتوثبة. وفي المرحلة الثانية نجدهم يمتلئون حسرة وألماً على ما مضى من عهد اللذائذ والمسرات، ويكون دَيدَنهم حينذاك أن يسترجعوا في مُخيلاتهم صورة الشباب الآفل، والنعيم الزائل. وينبغي أن يكون بيّناً لنا أن لفظ الفتى حين يرد في الشعر يدل على الشباب غالباً، وقد تُضاف إليه معانٍ خلقيّة تقترن به، وفي مقدمتها الشجاعة والكرم، وهذا ألمح إليه علماء اللغة أثناء حديثهم عن هذا اللفظ، عند صاحب لسان العرب، وساس البلاغة، والقاموس المحيط. وانطلاقاً من المفهوم السابق للشباب والفتوة نجد شاعر المعلقات طرفة بن العبد يفخر بنفسه، فهو الفتى القوي الذي يُلبي النداء في المُلِمات، ويُبادر إلى غوث الآخرين ومعونتهم، وهو الفتى الذي يجمع بين صواب الرأي في المشورة وحُسْن المُنادمة في الشراب. كما رأى أنّ عهد الشباب عند الشاعر زهير بن مسعود الضَّبِّيِّ حافل بمباهج الفتوة، ومسرات الحياة التي تبعثها قوة الصَبَا وعنفوانه، ومُقترن في نفسه بمُعاقرة الدِّنان، ومُقارعة الأبطال، والمغازلة، والقدرة على تفرِّيج الهموم وإزالة الأحزان.

الثعالبي وشرخ الشباب ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا