• الأحد 09 جمادى الآخرة 1439هـ - 25 فبراير 2018م

عن توحش الحضارة وقتل اللعب والقضاء على الفوضى الجميلة

العظيم.. لعبة الحياة تحت ضوء القمر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 فبراير 2013

علي أبوالريش

على مرأى من القمر، كان السهر، وكان السحر، والوطر والفخر، والزجر، والنهر، وكان الدهر ينشد أغنياته على صدى ملاحم الفرح الأزلي، وعفوية الإحساس، بما يسديه الليل من مغامرة ومثابرة، ومجاهرة، ومناورة، ومساورة، ومكابرة، وأحلام تكبر بحجم النجوم المتراصة في صحن السماء.

على مرأى من عيون شعت وفضت، وقضت، وسهرت، وأمعنت في البحث عن لعبة الظفر، جاشت القلوب وزخرت الدروب، وأينعت الأزقة، بزقزقة صغار، أشبه بأشبال الأسود، كانوا يخوضون طلاسم الليل البهيم، بأقدام صافية ورؤوس حاسرة وقلوب جاسرة، وعزائم مبهرة باندفاع الموج نحو غايات طفولية، أصفى من وجه القمر، وأعظم من سطوة الليالي المدلهمة.

العظيم.. في ليلك خيل وسيل وجيل وميل، وحيل، ونيل، وكميل، وأنت في الزمان الطائل والحائل، والقائل، والمائل، والسائل، والسابل، والحابل، والنابل، وأنت الواصل والفاصل، والحاصل، وأنت الفصل والوصل، والنصل، وأنت الفصول بأضلاعها الأربع وأنت الزوبعة، والمتعة والمنعة، والسمعة والشمعة، والدمعة، أنت الطريق باتجاه الحريق الأنيق والمعمعة اللذيذة.. أنت في الليل، اجتماع القناديل، تحت غيمة وخيمة ولقمة أصغر من كف طفل.

ذاكرة اللعب

يقول المؤرخ والكاتب الهولندي يوهان كوتسينغا: «إن الحضارة لم تخرج من عباءة اللعب، كما يخرج الجنين من رحم أمه، ولكن الحضارة ذاتها نشأت باعتبارها جزءا لا يتجزأ من اللعب واستمرت هكذا إلى يومنا هذا». ومن المؤكد أن هوتسينغا كان يقف على الطريق الصحيح عندما تنبأ بأن الثقافة التي تفرزها المجتمعات الاستهلاكية سوف تكون مختلفة عن الثقافات القديمة التي شكلت أصول الإرث الغني والفلسفي للبشرية جمعاء. ويؤكد هوتسينغا أن الحضارة الحديثة قد قضت على غريزة اللعب عند الإنسان عندما أطلقت عالمها الصناعي المزيف وجردت الإنسان من كل ما هو مقدس، وله علاقة بفطرة الإنسان، باعتبار أن التخلص من الغيبيات هو تحرر من الشعور بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من كل ما هو غامض، ومبهم.. وكأن هوتسنيغا يرد على الحضارة الحديثة محملاً بمشاعر إنسانية تهم كل إنسان على وجه الأرض، حين يقول: «في الزمن الجميل كان الإنسان ينتمي إلى فصيلة راقية من المخلوقات، ولذلك أطلق عليه اسم المخلوق العاقل، ولكن مع مرور السنين وعلى الرغم من النظريات الفلسفية والعقلانية في القرن الثامن عشر وعلى الرغم من الأفكار الساذجة التي كانت تدعو إلى التفاؤل الإنساني، اكتشف الناس أن الإنسان لا يتمتع بالعقلانية المزعومة، ولذلك أطلق عليه اسم المخلوق المبدع أو الصانع». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا