• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

كيف نتأمل «الرّسومات السّوداء» لغوياً بأعين بونفوا

الهمس على ضفاف اللاّعودة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 مارس 2017

كتابة - بسكال ماكاري غاروبي - ديفد آف آلاّن

ترجمة - أحمد حميدة

لئن كان إيف بونفوا شاعراً وكاتباًَ ومترجماً وناقداً فنيّاً، فإنّه يظلّ قبل كلّ شيء.. شاعراً، لا تخلو كتابته النّثريّة من نفحات شعريّة بليغة وآسرة، وبكتابه «غويا، الرّسومات السّوداء»، يكون قد نفخ من شاعريّته تلك في الرسومات. وبونفوا شاعر، حكمت أعماله، على تنوّعها، خبرة عالية في مقاربة الحقيقة من وراء الكلمات، وينتظمها إحساس مرهف بما يستكنّ في اللّغة من خداع ومخاتلة، لذلك كان حتّى في أبحاثه العلميّة، لا يني يعمّق الحفر لسبر أغوار اللّغة، وجعلها تفرج عن الحقيقة المنطوية فيها. وهذا التعقّب الدّائب للحقيقة من وراء الكلمات، بحثا عمّا تصفو به الحياة، هي التي حفزته إلى تأليف هذا الكتاب عن غويا، وتحديدا عن رسوماته السّوداء.

عرفت هذه الأعمال لغويا بـ «الرّسومات السّوداء» بالنّظر إلى ألوانها القاتمة ومواضيعها المريعة القاسية، إذ هي تتشكّل من سلسلة مشاهد صاعقة، وصور كابوسيّة مهلوسة، يبدو أنّ غويا كان قد أنجزها بين 1820 و 1823، حين أدرك السّبعين من عمره وغدا منتهيا للجنون. وقد توزّعت هذه الرّسوم على الجدران، وكادت تكسو تماما حجرتين من منزله الكائن بضاحية مدريد، «منزل الأصمّ» كما غدا ينعت يومئذ، حيث انطوى الرّجل على نفسه، لا تؤنسه غير عشيرته ليوكاديا. كانت إسبانيا يومذاك تعيش تحت وطأة الاستبداد وتجلدها موجة من العنف المسعور، فقد غويا في غمرة تقلّباتها حظوته السّابقة، وبات مبعداً عن شرف التّكريم بالبلاط الملكي، فراح يرسم لنفسه على الجدران بعيداً عن أنظار العالم. وبعد مضيّ عديد السّنوات على موته، تمّ نسخ تلك الرّسوم على لوحات، غدت اليوم من أثمن مقتنيات متحف البرادو بمدريد، ومن بين تلك اللّوحات اشتهرت خاصّة لوحة «زحل يفترس أبناءه».

هذيانات المرض

وكانت تلك الرّسومات، في نظر بونفوا، وليدة المرض المزمن والقاسي الذي شلّ حركة غويا لشهور عديدة.. متتالية. وفيما كان مرضه الأوّل قد أرداه أصمّا، فإنّ مرضه الثّاني هذا، أسلمه إلى حالات قصوى من الحمّى المتلفة، جعلته متأرجحا بين الحلم والواقع، وفريسة لنوبات هذيان استوى فيها الليّل بالنّهار، وبات غويا أثناءها، كما يقول بونفوا، عند «الحدود القصوى لعلاقة الذّات بالوعي المحموم، لتغدو مكتسحة بوسوسة مدمّرة»، وموضّحا ذلك، يعتبر بونفوا أنّ المرض الجسديّ، الذي غالباً ما يلقي بالمرء في حالة من الإحساس باللاّوجود، ليس وحده الدّافع الذي حمل غويا على إنجاز رسوماته السّوداء تلك، وإنّما هو الإحساس الحادّ بالتّأرجح بين القدرة والعجز عن «إضفاء معنى ما على الوجود».

والصّورة السّالبة التي تثيرها وتتناولها تلك الرّسومات، هي التي تقود إلى تبديد السّراب، إنّها سحق وتدمير لأوهام الحياة كما وهبت لنا. هكذا «فإنّ الصّورة التي يكوّنها الكائن النّاطق عن نفسه وعن وجوده، هي قبل كلّ شيء صورة مرئيّة. وعبر المرئيّ ذاك وبه، تتشكّل اللّغة التي سرعان ما تستحيل إلى خداع ومخاتلة». ندرك والحال تلك، كيف سيتعامل الرسّام مع مادّة فنّه، الذي كان يستدعي بالأساس حاسّة الإبصار. فيُحدث غويا في رسوماته فراغاً، ويمعن في حفر الوجود الاعتياديّ والمألوف، الذي لم يعد بلسان حاله سوى خدعة، وهو الذي كان في ماض غير بعيد، رسّام البلاط الإسبانيّ، رسّام حلم رائع، وعبر اللّغة، ممثّلاً لحياة أنيقة، مرتّبة بأيدٍ خبيرة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا