• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لهنّ بين جدرانه حضور ومهام وتاريخ

نساء الحصن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 فبراير 2015

تحقيق - رضاب نهار

ذكريات وتفاصيل كثيرة يضمّها قصر الحصن في إمارة أبوظبي بين جدرانه، في باحاته وفي مجالسه، على الأسطح والرفوف، في كل زاوية وركن منه.. وهو وإذ يروي قصة دولة، إنما يسرد حكايا رجاله ونسائه ممن عاصروه وسكنوه، وعملوا فيه، وزاروه، وصاروا جزءاً أساسياً منه، كما لو أنهم إحدى أركانه الثابتة. للمرأة ذكرياتها في قصر الحصن، تماماً كما للرجل، لكنها تأتي بصورة أكثر جمالية وشاعرية تنبع من طبيعتها كأنثى تعنى بالتفاصيل والأحداث، والحديث حول المرأة وحضورها في المكان، يساهم في إلقاء الضوء على واقع المرأة الإماراتية في ذلك الوقت، ويضيء على أبرز المهام والخصوصيات المتعلقة بها. لذا حاولنا البحث عن هذا الدور مع الذين كانت لهم تجاربهم في قصر الحصن وفي المجمع الثقافي، امتداده الفكري، وفي محاولة لتحقيق نظرة شمولية، سألنا أيضاً عن ما يعنيه قصر الحصن للنساء المعاصرات، وأين هو هذا المكان في ذاكرتهن المعاصرة؟

نساء القصر التاريخيات

بدايةً تقول الدكتورة ريم طارق المتولي (باحثة ومستشارة في الفنون الإسلامية والآثار والمتخصصة في تراث دولة الإمارات)، أنه يجدر بنا عند محاولتنا استكشاف دور ووجود المرأة في قصر الحصن منذ القديم، وهو الصرح التاريخي الذي يؤرّخ لإمارة أبوظبي، إلقاء نظرة عامة ومتفحّصة على البناء المعماري للمكان، والدخول إلى قاعاته وأقسامه. وتؤكد: «بإطلالة على خريطة المسح الهندسي للقصر ومقاربتها مع الأحداث التاريخية التي حصلت، وخاصةً على الجناحين الشرقي والجنوبي اللذين بنيا عندما قام الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان بتوسعة القصر، نجد أن غرفة الشيخة سلامة بنت بطي «أم الشيوخ» تحتل مكاناً استراتيجياً هاماً داخل المبنى، ليس من ناحية المساحة فقط، بل من ناحية الاتجاهات والإحداثيات. حيث إنها تتموضع بين (دروازة الحريم) أي البوابة التي تستخدمها نساء القصر، وبين غرفة الشيخ شخبوط بن سلطان وحرمه الشيخة مريم بنت راشد. الشيء الذي يعكس الدور البارز الذي لعبته هذه المرأة حينها، والمكانة العظيمة التي منحت لها». وتضيف: «نساء ذلك الوقت كنّ سيدات بكل معنى الكلمة، تتم استشارتهن في كل المسائل الكبيرة والصغيرة. بالإضافة إلى مسؤولياتهن الهامة في إدارة الأجنحة وشؤون أهل القصر. وكمثال نذكر ما عرف عن الشيخة سلامة بنت بطي &ndash كما كل نساء القصر &ndash من الحكمة المكتسبة من التجارب المعيشة، فلطالما عملت على حل مشاكل الناس وتلبية حاجاتهم وتذليل الصعاب التي يواجهونها، وهو الشيء الذي قامت به عائلة آل نهيان بأكملها، وكل حسب طاقاته وقدراته». وبالحديث عن نمط الحياة في القصر وطريقة تعامل النساء فيه مع تفاصيلها كاملةً، تبيّن المتولي: «أن الشيخة عوشة بنت شخبوط بن سلطان آل نهيان والشيخة روضة بنت شخبوط بن سلطان آل نهيان، كانت العناية بالمهام اليومية والعائلية في القصر من إحدى أولوياتهما، رغبةً منهما بمتابعة شؤون المعيشة والوصول إلى حالة عامة من الرضا بين جميع الأفراد».

من جهةٍ أخرى تروي كيف لعبت المرأة دوراً هاماً ومتنوعاً في قصر الحصن وعلى مر العصور وصولاً إلى الوقت الحاضر، سواء كأحد أفراد الأسرة الحاكمة أو غير ذلك. فتقول: «عند تحول المبنى إلى هيئة حكومية كان معظم الباحثين والدارسين المتابعين والمشرفين ضمن مركز والوثائق والأرشيف الوطني، من النساء الإماراتيات وغير الإماراتيات. أيضاً فإن الدكتورة جيانتي مايترا كتبت ووثقت تاريخ قصر الحصن وسجلته في كتاب. واليوم وإذ ننظر إلى مهرجان قصر الحصن، فإن من أنشأه هي الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، والتي تشرف على برامجه وفعالياته بما يحقق التفاعل الراهن معه كمكان تاريخي يحتل جزءاً أساسياً وهاماً من تاريخ إمارة أبوظبي ودولة الإمارات. والمهرجان وهو يبلغ عامه الثالث، استطاع ترسيخ ذاكرة المكان كبصمة، ليس فقط عند المرأة الإماراتية، بل عند الجميع وحتى عند الطفل كذلك، وجعله تقليداً سنوياً يؤكد انتماء وعلاقة كل أبناء المجتمع الإماراتي بالقصر».

القصر.. ونساء الحاضر

ثمة بعد ثانٍ للعلاقة بين المرأة وقصر الحصن، يتجسد في ما تعيشه النساء الإماراتيات اليوم من ذاكرة تاريخية وتراثية تتمحور حوله، وهنا تؤكد أسماء صديق المطوع مؤسسة ملتقى الصالون الأدبي، أن هذا الصرح التاريخي العظيم باقٍ في ذاكرتنا ولن يموت أبداً، وهو الجسر الممتد بين الماضي والحاضر وهو رمز القوة والركيزة الأساسية لدولتنا. فما الفائدة من كل هذا التطور والازدهار من دون دعائم وجذور تاريخية قديمة؟ وهو الشيء الذي يجسده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» في قوله «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر»، والذي تعكسه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في مبادراتها الكثيرة. وتضيف: «في فترة من الفترات كنت رئيسة مجموعة «سيدات المجمع الثقافي» والتي تحولت إلى مركز جذب للنساء كي يدخلن عالم الثقافة.. ووقتها كان المجمع بمثابة قيمة ثقافية وفنية لكل ما هو موجود ومعيش. الشيء الذي جعل من قصر الحصن ثيمة ثابتة في تفاعلاتنا مع المكان والزمان». وتبين: «أيضاً أود الإشارة إلى أننا في الدورة الماضية من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومن خلال فعاليات ملتقى الصالون الأدبي، كنا نقوم بتوزيع هدايا رمزية وتذكارية لضيوفنا الذين جاؤونا من كل مكان، وكانت عبارة عن مجسمات لقصر الحصن. ومن ضمن برنامجنا للدورة القادمة من المعرض، سنحاول الإضاءة على التاريخ الإماراتي وبالتأكيد سنتطرق إلى تاريخ أبوظبي الذي أسس له قصر الحصن». أما صافية القبيسي (من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة)، فتؤكد أن الدور الهام للمرأة في قصر الحصن، يتوازى مع دورها الفاعل في تاريخ إمارة أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، والذي تدخل فيه كجزء رئيسي ومحوري، صاحبات السمو الشيخات وغيرهن من سيدات وبنات المجتمع، وذلك على عدة صُعُد حيث عرف عنهن القدرة الكبيرة في التصدي للتحديات التي كانت تواجه الجميع آنذاك بسبب ظروف الحياة القاسية والصعبة، ولطالما حللن مكان الرجال عند غيابهم شهوراً طويلة بحثاً عن لقمة العيش. موضحةً: «أيضاً تقودنا الذاكرة إلى ما روي عن سيدات قصر الحصن اللواتي كن يستقبلن الناس من أجل حل المشاكل والمساهمة بتحسين الظرف العام للسكان. فلطالما لجأ المحتاجون إلى مجالسهن طلباً للمساعدة بغض النظر عن نوعها». وعن التفاعل الراهن مع البناء تقول: «لعل مهرجان قصر الحصن بما يحتويه اليوم من برامج وفعاليات ونشاطات تصب في عمق التراث الإماراتي وتحديداً في إمارة أبوظبي، وبإضاءته على هذا المكان التاريخي إنما يجذب الأنظار إلى المكان للتعاطي معه بطريقة مختلفة، والتجول في ذاكرته وفتح المخيلة أمام المتلقي لتصور نمط الحياة المعيشية قبل سنوات طويلة ليس فقط بالنسبة للرجال، بل بالنسبة للنساء اللواتي عاصرن مراحل البناء والتأسيس في هذه الرقعة من الأرض». بدورها تحاول الكاتبة الإماراتية الشابة فاطمة المزروعي، استحضار ذاكرتها لتخبرنا بعلاقتها مع هذا الصرح: «حين يذكر قصر الحصن، أعود مباشرة إلى شكل ومضمون التراث الإماراتي القديم وأستحضر ذكريات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في رحلته المؤسسة لحاضر ومستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة. تاركةً الحرية لمخيلتي بترتيب بعض الصور والأحداث بالاعتماد على وقائع تاريخية درسناها وقرأناها.. واليوم وكفتاة إماراتية أعيش الواقع المعاصر، أنا مهتمة فعلاً بالاطلاع على المزيد من حكايا قصر الحصن، وربما يأتي المهرجان ليجيب عن العديد من أسئلتي واستفساراتي». وتتابع: «من جهةٍ أخرى وكمحاولة لربط الخيوط بعضها ببعض، فإن قصر الحصن يرتبط بذاكرتي الحاضرة بالمجمع الثقافي، الذي كان يجمع أهل الثقافة والفن والفكر في إمارة أبوظبي في مساحة واحدة. حيث تعرفت على العديد من الأسماء الهامة بين جدرانه وفي الأمسيات والمعارض التي انطلقت منه. وشخصياً لقد وعيت ونشأت مع أسرتي على مكتبة المجمع الثقافي المتعارف عليها كمكتبة عامة على مستوى الإمارة وقتها وتضم العديد من العناوين والوثائق والمراجع في ميادين مختلفة». وللإعلامية والمذيعة حصة الفلاسي وقفتها الخاصة مع قصر الحصن، حيث توضح أن له مكانة تاريخية كبيرة تأتي من كونه يشكّل أساس دولة الإمارات العربية المتحدة. وإن ذاكرتنا حتى اليوم لا تزال مزدحمة بتفاصيل وقصص من سكنوا وعاشوا في هذا المكان. ومن دون شك فإننا نشعر بالكثير من الفخر والاعتزاز لأننا لا زلنا محافظين عليه في ظل كل ما يحيط به من نمو عمراني بغاية التطور والضخامة. ثم تقول: «كإماراتية قبل أن أكون مذيعة ومقدمة ٌإعلامية في مهرجان قصر الحصن حيث قدمت دورته الأولى، وسأكون متواجدة في دورته الثالثة، أؤكد أن قصر الحصن يشكل الركن الأهم في حياتنا المعاصرة، لأنه البذرة الأولية للعاصمة الإماراتية التي باتت من أهم المدن في العالم كله. كما أود الإشارة إلى أن مهرجان قصر الحصن، فتح المجال واسعاً أمام الإماراتيين وغير الإماراتيين للتعرف على معالمه والاستماع إلى ما تقوله الزوايا والأركان فيه». أم الشيوخ غرفة الشيخة سلامة بنت بطي «أم الشيوخ» تحتل مكاناً استراتيجياً هاماً داخل المبنى يعكس الدور البارز الذي لعبته والمكانة العظيمة التي منحت لها وقد تميزت بالكاريزما السياسية القوية وعرفت بمجلسها الذي كان يضمّ صفوة سيدات المجتمع آنذاك. حكمة وحنكة اشتهرت الشيخة عوشة بنت شخبوط بن سلطان آل نهيان بحكمتها، وحنكتها في التعامل مع شؤون الحياة، وقدرتها على إدارة الظروف والتعامل معها وفق ما تقتضيه الحاجة، وكانت تساعد كل من يطلب المساعدة والعون.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف