• الاثنين 11 شوال 1439هـ - 25 يونيو 2018م

من تشارلي شابلن إلى «صبي» محمود تيمور ومتشرد فيكتور هيغو

الهاربون من بؤسهم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 مارس 2018

د. العادل خضر

لم تبدع السينما منذ نشأتها إلى اليوم شخصية أقوى في وضوح ملامحها وشفافية مشاعرها من شخصية البائس التي تقمصها ببراعة منقطعة النظير، عبقري السينما، شارلي شابلن. فإلى اليوم، ما فتئت أفلامه الصامتة، بلونيها الأسود والأبيض، تجلب إليها أنظار عشاق السينما، فتضحكهم وتبكيهم في آن، وهم يتابعون مغامرات بطلها العجيبة، وهو يواجه عنف المدينة وقسوة العالم.

ليس هذا البطل سوى أنموذج الإنسان البائس، وقد أعادت السينما الأميركية صناعته. فهو ليس «السوبرمان» البطل الخارق، ولا «باتمان» قاهر الظلمات، ولا «الكاوبوي» راعي البقر الذي غزا أميركا بمسدسه وحصانه، ولا «جيمس بوند» الذي بوسامته وأسلحته حارب بمفرده قوى الشر المتجددة تجدد آلة القتل التكنولوجية... لا شيء خارق في هذا الإنسان البائس يمكن أن يبشر بولادة بطل استثنائي. ورغم ذلك فهو بطل معروف كونياً، بتسكعه في شوارع المدينة الأميركية، وبقبعته وعكازه، وزوج حذائه الكبيرين، وسرواله الواسع الذي يكاد يسقط منه، وشعره الأشعث، وشاربيه الصغيرين المقضومين من الأطراف، وثيابه الرثة، فكل هذا الخليط المزري قلب شخصية شارلي إلى رمز للفن السينمائي العظيم. وهي في معظم الأفلام التي مثّلها شارلي شابلن شخصية ثابتة الملامح جعلتها شراسة العالم الذي تعيش فيه تتحول إلى إنسان بائس بلا مزايا، يحتال ليبقى حياً بين الأقوياء من رجال العصابات والشرطة. وتزداد ملامح هذا البؤس وضوحاً بفضل التضاد الصارخ بين هشاشة شارلي البدنية وصغر حجم جسمه من ناحية، وعضلات الأشرار الضخمة المفتولة من ناحية أخرى، أو بغرابة المفارقات التي ترمي البطل في مواجهة مباشرة يصارع فيها تلك القوى المعادية في حلبة الملاكمة أو في السجون، أو حانات المدينة ومطاعمها. إلا أنه في كل المواجهات غير المتكافئة كان البطل يفوز بفضل حيله الواسعة تارة حين يضع في قفازه صفيحة حصان فتصبح لكمته حديدية يخرّ من وقعها الشديد جسم خصمه جاثياً، وطوراً حين يحالفه الحظ، فيصبح ثرياً بضربة حظ نادرة.

المتشرد والشرطي

ورغم النهايات السعيدة تظل شخصية شارلي شابلن في السينما رمز الإنسان البائس لا بسبب فقره المدقع، وازدراء الأثرياء، وعداوة الرجال الأشرار فحسب، وإنما أيضاً بسبب حضور شخصية الشرطي التي لا تكاد تغيب في الأفلام التي أخرجها شابلن. فالبؤس في تلك الأفلام ليس مرادفاً للفقر بالضرورة، وإنما عندما يصبح الإنسان مُراقباً، تراقبه الدولة بعيون الشرطة. فحين يصبح البائس في عيني الشرطة شخصاً خَطِراً يهدد أمن المدينة يضحي فجأة شخصاً مطارداً مضطراً من فرط الخوف إلى الهروب. فمشهد المطاردة والهروب، حيث نرى الشرطي وهو يلوّح بعصاه راكضاً خلف شارلي شابلن الهارب المتشبث بقبعته وعكازه، إنما هو من المشاهد العظيمة التي خلّدتها السينما في ذاكرتها. فالسينما تعلمنا شيئاً مختلفاً، يعرفه الأدباء وكتّاب الرواية الواقعيون، بأن البؤس ليس سليل الفقر، بل وليد المطاردة. فالإنسان البائس هو الإنسان الهارب من عيون السلطة بامتياز.

هل كان محمود تيمور يستحضر شخصية شارلي شابلن وهو يكتب رائعته «نبوت الخفير»؟ فشخصيتا البائس والشرطي حاضرتان في القصة على نحو هوليوودي عجيب. بطل هذه القصة «الشاويش جاد الله» الذي «هاله ما سمع من أن رفاقه من الشرطيين لم يُتَح لأحد منهم الظفر بصيد من الباعة الجوالين مع وفرة الصيد في هذا الشارع العامر بالقصاد». ويرجع إخفاقهم إلى أن «أخبار» رجل الشرطة «تبلغ الباعة قبل أن يبلغ مكانهم بقليل». فقد اكتسب هؤلاء الباعة حاسة «تشمم الشرطي» حتى غدت كجهاز الراصد «الرادار»، «يسترق أخبار الشرطة ويلتقطها في خطفة البرق». وكان من بين الباعة الجوالين «غلام قميء مهلهل الثياب لا يعدو العاشرة من عمره، له حَدبة تكاد تبتلع ظهره، يبيع نوعاً من الحلوى يُسمى نبوت الخفير». داهمة ذات يوم نعاس ثقيل لم يستيقظ منه إلا على وقع أقدام الشاويش الثقيلة «وفتح الغلام عينيه وسرعان ما صاح: يا خبر أسود! وفي خطفة البرق كان قد تكوّر على صندوقه وانطلق كالسهم. [...] واختلج الشاويش جاد الله اختلاجة الغضب، وهو محشور في حلته السوداء ذات الأزرار الصفر[...] ولم يلبث أن قفز خلف الغلام يثِب وَثَباته الجبارة ويقرع الطِوار بحذائه الضخم، فكأن أجراس الخطر قد انطلقت دقاتها تنذر الناس بشر مستطير. واندفع يجِدُّ في أَثَر الغلام، وقد مثلت السابلة صفوفاً تتفرج. ثمة سباق خطير بين «دودة» تتواثب و«حذاء» ضخم أسود يجلجل بقرعاته الصاخبة على الأرض. ينتهي مشهد الملاحقة بتعثر «الدودة» وقبض الشاويش جاد الله عليها. غير أن المفاجأة كانت تنتظر الشاويش لما «رفع الصبي عينيه إلى رجل الأمن يتصايح في نشيج وعويل: والله يا جناب الشاويش لم أفعل شيئاً». فقال له سائلاً: «وبضاعتك التي تبيعها بلا رُخصة؟» وحين تفقد الشاويش البضاعة لم يعثر على شيء. كان «الأحدب الصغير» قد التهم ما عنده من «نبابيت الخفراء»، «في غفلة من العيون». فاضطر الشاويش جاد الله إلى إخلاء سبيله بإلحاح الجمهور الذي كان يتابع المشهد عن كثب تماماً كجمهور السينما وهو يتابع بمتعة عظيمة مشهد الملاحقة غير المتكافئة بين إنسان بائس في حقارة «الدودة» وشرطي ضخم الجثة منتظراً في النهاية المفارقة العجيبة، وهي انقلاب الموازين على نحو غير متوقع.

فن المفارقات ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا