• الثلاثاء 05 شوال 1439هـ - 19 يونيو 2018م

وسائل التواصل الاجتماعي.. وتأجيـج الانقســام الأمـيركـي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 28 فبراير 2018

آن أبلباوم*

أثِرْ غضب القواعد.. استخدم اللغة العنيفة. اخلق الخوف والقلق. أفحم البلد وقل للجميع إن الأمور تزداد سوءاً. روّج للفرقة والانقسام -فرق الأميركيين إلى «نحن» و«هم»، في الخطابات وعلى الإنترنت. أضعف الديمقراطية نفسها: ألمح كثيراً إلى أن الانتخابات مزورة، وأن النظام فاشل. وقم بكبح الناخبين أيضاً: اثن الأنصار الممكنين عن الذهاب إلى مكاتب الاقتراع. وألمح إلى أن منافسيك مجرمون ولصوص، واكذب بخصوص سجلاتهم.

هذه التكتيكات هي ما استخدمته «وكالة بحث الإنترنت» الروسية خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2016، تكتيكات كشفتها ببراعة لائحة الاتهام التي أعدها المحقق الخاص «روبرت مويلر»، وقد اندهشنا جميعاً من مدى ذكائهم، وكيف كانت تكتيكاتهم تستهدف بشكل دقيق إحداث الانقسامات بين الأميركيين، وكيف أضعفت دستورنا. كما اندهشنا أيضاً من الصفحات الروسية المزورة على «فيسبوك»، التي تروج لمجموعات لا وجود لها في الواقع تدعى «أن تكون وطنياً» أو «نشطاء سود». واندهشنا من الروبوتات الروسية على «تويتر»، وفرق «الأنصار»، الذين يهتفون للرئيس ويدعمون «شعبية» المعجبين به.

ولكنّ ثمة شيئاً واحداً نسيناه: أن هذه هي التكتيكات نفسها التي يستخدمها دونالد ترامب نفسه!

فمنذ البداية، سعت أطراف في حملة ترامب إلى استغلال الخصائص التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الانقسام، من أجل الوصول إلى مجموعات مستهدَفة بعناية من خلال رسائل مختلفة. ففي جنوب فلوريدا، مثلا، توصل الكوبيون برسائل غاضبة حول سياسة الرئيس باراك أوباما الخاصة بكوبا تحذر من أن هيلاري كلينتون ستسير على النهج نفسه. هذا في حين تلقى جيرانهم الهايتيون قصصاً حول فشل كلينتون المفترض في مساعدة هايتي عقب زلزال 2010، في محاولة لإقناعهم بالإحجام عن التصويت. وفي هذه الأثناء، كان يقال للأشخاص الذين يكرهون كلاً من الهايتيين والكوبيين، مراراً وتكراراً، إن ترامب سيقوم ببناء جدار.

وبالطبع، كان الأتباع المزيفون، بأعداد كبيرة غالباً، جزءاً من مخطط حملة ترامب، تماماً مثلما أنهم جزء من معظم الحملات السياسية في معظم البلدان. وكان العملاء الإلكترونيون المستفِزون ومواقع الإنترنت التي تروج لنظريات المؤامرة جزءاً من حملة ترامب أيضاً. وعلى سبيل المثال، فإن «بيتزا-غيت» -النظرية الغريبة التي تقول إن كلينتون كانت تدير عصابة تعتدي جنسياً على الأطفال في قبو مطعم للبيتزا بالعاصمة واشنطن- لم تكن اختراعاً روسياً، وإنما كانت نظرية مفبركة بالكامل مقتبسة من بريد حملة كلينتون الإلكتروني المسرَّب من قبل قراصنة روس ألهموا رجلاً مسلحاً، في الواقع، لسياقة سيارته من كارولينا الشمالية، والدخول إلى مطعم البيتزا، والمطالبة برؤية الأطفال الذين لا وجود لهم في القبو غير الموجود أصلاً. وهذه القصة الغريبة اختلقها أميركيون، من بينهم المؤمن بنظريات المؤامرة «أليكس جونز»، وهو أحد المقربين من الرئيس. وفي ذروة الجنون، قال «جونز» في مقطع فيديو شوهد مئات الآلاف من المرات: «عندما أفكر في كل الأطفال الذين قتلتهم هيلاري كلينتون شخصياً واغتصبتهم وقطّعتهم، يزول خوفي ولا أخشى مواجهتها»!

لقد كانت أساليبهم ولغتهم جد متشابهة لدرجة أنه ليس من السهل تمييز القصص الروسية المزيفة عن قصص حملة ترامب المزيفة: ذلك أن كلًا من العملاء الإلكترونيين الروس وعملاء حملة ترامب الإلكترونيين اختلقوا قصصاً خيالية من رسائل البريد الإلكتروني، كانت تخدم الهدف نفسه بالنسبة للاثنين. وأحياناً، كان الاثنان يقتربان أكثر من بعضهما البعض: فبعد سنة من التحقيقات، لم يشرح لنا أحد بعد لماذا شرع ترامب، خلال صيف 2016، في الاستخدام المتكرر لقصص وشعارات مصدرها موقع «سبوتنيك» الروسي، أو حتى على التلفزيون الروسي التابع للدولة، في تجمعات حملته الانتخابية: «أوباما خلق داعش» و«هيلاري ستتسبب في حرب عالمية ثالثة». ولكن، هل كان ترامب يعرف أنه كان يستخدم قصصاً اختلقها المشرفون على الدعاية «البروباجندا» الروسية؟ الواقع أنه بالنظر إلى وتيرة الاتصالات بين موظفي حملة ترامب وطيف واسع من الروس، أجد أنه من المستحيل تصديق أنه لم يكن يعرف! ولكن الفكرة هي أن التمييز بينهما، على كل حال، لم يعد ممكناً.

وعليه، لنكن صادقين: إن القضاء على التأثير الروسي من الفضاء الإلكتروني الأميركي لن يحول دون حدوث فضيحة أخرى مثل «بيتزا-غيت». كما أن إغلاق الروبوتات الروسية سيترك أيضاً مع ذلك أعداداً كبيرة من الروبوتات الأميركية حرة لخداع الناخبين الأميركيين. وعلاوة على ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها، تجعل حملات المعلومات الكاذبة ممكنة على نطاق أوسع من أي وقت مضى: ذلك أن خوارزمياتها تشجّع على الاستقطاب العميق، وما تتيحه من إمكانية لنشر مواد بأسماء غير حقيقية يفتح الباب أمام الخداع والاحتيال. وفضلاً عن ذلك، يبدو أن المجتمع الأميركي، بطبيعته، عرضة لهذه الحملات أيضاً. ولهذا، فإن لائحة الاتهام التي أعدها مويلر لا ينبغي أن تنهي التحقيق في هذه المشكلة، بل ينبغي أن نعتبرها مجرد البداية.

*كاتبة وصحافية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا