• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

للشاعر الفرنسي جيل براستنيتزار

غارسيا فونس.. راحتان مثقلتان بالسّراب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

ترجمة - أحمد حميدة

مترحّل بين الأزمنة والأمكنة، يصِلُ غارسيا فونس بإحساسه الوارف بين دروب الحياة، متموقعا عند مفترق القارّات والعوالم.. يأتيك كآخر الملوك المتيّمين بالجمال، بموسيقى مخمليّة ملفوفة ومضمّخة بعطر الأقاصي، وحيثما تتقاطع طريقه مع مترحّلين مثله، فإنّه لا يتردّد في الإقبال بشغف على تقاسم رغيف الموسيقى معهم..

لا شكّ أنّ الأزمنة أضحت خشنة، ولا تسمح لرونو بجعل جميع أصدقائه على قيد السّفر، فالكرم غدا بائسا، وأرجل الثقافة باتت غائرة في الرّمل، ومع ذلك فإنه وبرفقة لفيف من الأصدقاء الأثيرين، لا ينفكّ يمعن في الرّحيل، لتومض النّار، وليلتئم حولها المدعوّون لأعراس الجمال، فحميميّة الصّداقة ونفحات المحبّة المتبادلة وحدها تصنع الأعاجيب، ويبقى كيكو رويز، نيغرنيتو تراسنت وكيفان شميرامي.. هم رفقاء الرّوح.. إنّ الرّيح لخبيرة بتهويمات غارسيا فونس.. كما أنّ غارسيا فونس خبير بحكاية الرّيح.

حوذيّ الألحان

أحيانا ما ينتاب الظّمأ آلته الأثيرة، فيطفئ ظمأها بنقرات على عنقها، فترتجف وتزمجر، لتحاكي قرع الطّبول في الأصقاع الرّمليّة، وقد تلمح نجمة الجنوب، فتغلق حينها مداخلها وترخي أوتارها، وتبقى على قيد الانتظار، مستسلمة للرّقاد قرب قدميه، معشّشة داخل حلمه، منتظرة عودة حوذيّ الألحان من أسفاره الدّاخليّة. هي تدرك إذن، تدرك بأنّها الرّحم التي بداخلها تتلوّن الأحاسيس والمشاعر والانفعالات. هكذا ستتحوّل بوحي من اللّحظة، من ربابة هنديّة، أزيزها فائح بروائح البخور، إلى آلة سيتار، يسري رنينها في الضّباب، إلى قيثارة عاشقة، إلى آلة إيقاع شرقيّة، إلى شلاّل من الأصوات الغليظة، أو إلى عود خارج من أودية الموسيقى، وحالات زمرّديّة.. كثيرة أخرى، إنّها تموء، ثمّ تبكي للقمر، فيتصاعد البكاء ترتيلا في الفضاء. وأحيانا ما تغوص في سراديبه الدّاخليّة لينفلت منها نشيد عميق. ويتعاقب هذا الهمس والفيضان، في إبحار يتمّ بعيدا عن كلّ المرافئ، شيئا فشيئا تنبعث ارتجافة خفيّة لتوقظ ألحانا مدفونة في الأعماق، وينساب ماء نافورات غرناطة نحو البحر، مأخوذ بهذا الفيض يستحثّ القوس الكنترباص على الإسراع ثم الرّكض، فتصهل وتثب لتسابق الرّيح حتّى انحباس النّفس..

على مركبة الإيقاع هذه، تصعد خميلة رونو نحو النّجمة ذات النّغم المتوهّج، ولا يبدو رونو عائدا من نزال، ولكنّه يبدو توّاقا إلى حشدنا في سلامه الدّاخليّ، ومن التّناغم المفاجئ، يفرش البساط الأرجواني لأنغامه الغامضة.. النّابضة على إيقاع الزّمن الرّاهن، ولكن أيضا على إيقاع تلك الأنغام المسافرة منذ فجر البدايات، وكالسّفينة الشّراعيّة يقتحم أماكن لا تفصح عن أسرارها من النّظرة الأولى.. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف