• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

صندوق العتاد الذي صار مكتبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

لؤي حمزة عباس

1

منذ أكثر من عشرين عاماً وأنا أنام في غرفة المكتبة، أستلقي إلى جوار الكتب وأُغمض عيني على مشهد الرفوف الممتدة على الجدران وأراها شاخصة بانتظاري فور أن أنزل في مياه النوم، تتحرّك أمامي بالأحرف المذهّبة على جلود بعض أغلفتها والحواف الورقيّة المتآكلة لبعضها الآخر. كتب يُعاد ترتيبها في المنام لتحكي حكاية حلم جديد. أحياناً لا تكون الكتب بانتظاري، أرى مؤلفين أحبُّهم في أماكن غريبة مفاجئة بدلاً منها، يختبئون خلف شجرة عالية عجفاء أو جدار محفّر قديم أو باب مرصّع موصود، ما أنْ أعبر الشجرة أو أتجاوز الجدار أو أفتح الباب ولو على سبيل الخطأ، حتى يمدّ المؤلفون ألسنتهم نحوي ويتضاحكون بشعور طويلة مهوّشة مثل اينشتين في صورته الشهيرة، حتى أكثرهم كآبة ومأساوية، يمدّ لسانه ويتضاحك وقد حضر بديلاً عن مؤلفاته، عندها تكون أحلامي متاحف للسعادات.

2

فوق الكتب المرتّبة على الرفوف، أدسُّ كتباً رهن القراءة وملفات وصحفاً أحياناً، أقرب الكتب إلى منامي، دسست فوقها كتباً أنيقة بحجم الكف تزيّنها خرائط ملونة تصلح أن تكون أدلةً للسائحين، إنها كتب المدن البعيدة الحافلة بالمسرة والنور، كلما ضاقت الحياة من حولي، وما أكثر ما تضيق، زادت كتب المدن كتاباً أو كتابين. علّمني النوم إلى جوار الكتب أن أحدّث نفسي، متصنعاً الحكمة، عن الحياة في أكثر من مدينة في وقت واحد، كلّما تصفّحت كتاب إحدى مدن العالم الجميلة، في طريقي إلى النوم، رأيتني، فور أن أنام، أسير في شوارعها، أمرّ تحت بواباتها العتيقة الشاهقة، وآكل في مطاعمها، وأصرخ في مراقصها الضاجة شبه المظلمة، أصرخ وسط ضجيج الراقصين الذين تكشفهم لطخات ضوء سريعة لكي لا يسمعني أحد، فلا قدرة لي على أن أبوح بأحزاني في صرخة واحدة، لكنني مع المكتبة يمكن أن أتحدّث عن الجانب الأوسع من سيرتي ككاتب حزين.

3 ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف