• الأربعاء غرة ذي الحجة 1438هـ - 23 أغسطس 2017م

من «الصّندوق الأخضر» إلى «غرفة الأسفار»

حول العالم في مكتبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

مبارك وساط

في أحد أيّام أكتوبر 1992، غيّرتُ سُكناي بأكادير، فانتقلتُ من بيت فسيح قليلاً، إلى آخرَ ضيّق، فيه غرفة واحدة، ومطبخ شديد الصِّغر، وحمّام أصغر من المطبخ... نقلتُ إلى مسكني ذاك سريراً ومتاعاً قليلاً، ومكتبة تضمّ عدداً لا بأس به من الكتب... تمّ الانتقال في غبش المساء، الذي كان مقروناً بضباب على جانب من الكثافة... وجدتُ مسكني الجديد مُوحِشاً، وبعد جولة مسائيّة جَلَتْ عنَّي قسطاً وافِراً من الهمّ، عدتُ إلى مأواي، وبدأتُ في تنظيم مكتبتي، ثمّ أخذتُ منها كتابين: «العاصفة» لشكسبير، - وكنت قد قرأتُه من قبل - و«طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عوّاد، وكنتُ قد اقتنيْتُه قبل أيّام قليلة، ولم أفتحه بعد... وبعد وقت قضيتُه مع شخصيات «العاصفة»: بروسبيرو وميراندا وآرييل، فتحتُ كتاب أديبنا اللبناني، وبدأتُ أتصفّحه، في عمليّة تعارفٍ أُولَى تسبق البدء في القراءة الفعليّة... لكنْ، سرعان ما شعرتُ بإحباطٍ حقيقيّ: لقد كانت هنالك ورقتان تنقصان الكتاب... وانزعجتُ حقّاً لذلك... بعد أن نمت، حلمتُ بأنّ تيْنك الورقتين تعترضان سبيلي وأنا ذاهب إلى مكان ما، ولكن ما إن أكاد أمسك بهما حتّى تُطَيِّرهما الرّيح إلى البعيد...

في اليوم الموالي، ما إن تجاوزتُ باب البيت إلى الخارج، حتّى استثارني مشهد عجيب، بدا لي كأنّه في حلم. كان هنالك ضباب خفيف يلفّ البيوت، وأشعّة الشّمس التي تتمكّن من اختراقه تصل إلى الشّارع واهنةً، ورأيتُ، على بعد نحو 300 متر، أناسا جالسين على كراسيّ، وكلّ منهم عاكف على القراءة... منحتُ نَفسي لحظةَ حُلم، فتساءلت: لِمَ لا يكون المقهى الذي يجلس فيه هؤلاء النّاس مكتبةً أيضاً؟... وإذ اقتربت منهم كثيراً، غاضَ اندهاشي، فقد كان اثنان من بين زبائن ذلك المقهى يقرآن صحيفتيهما، والكثيرون ممّن تبقّى يتفحّصون، بانغماس شديد، «برامج الرّهان على الخيول»...

وبدا أنّ المكتبة التي أنتجها حلم يقظتي ذاك قدْ تبخّرت أمام الواقع الخشن... لكنْ لِلْحلم سطوته أيضاً، فبعد ذلك الصّباح بزمن، جلستُ يوماً بذلك المقهى، ثمّ لاحظتُ أنّ شخصاً قريباً منّي، ذا نظّارتين سميكتين، كان يقرأ كتاباً فِعليّاَ. وإذ رآني أحاول أن ألمح عنوان الكتاب، بادر وأدار صورة غلافه نحوي. «الفهد»، بالفرنسيّة: ذلك كان العنوان... وتلك كانت رائعة الإيطاليّ جوزيبي تومازي دي لامبيدوزا... وبشطحة خيال بسيطة، ناصرتُ حُلم يقظتي السّابق، إذ لمْ يصعب عليّ أن أتصوّر أنّ ذلك المقهى كان أيضاً مكتبةً، تضمّ كتاباً واحداً -هو رواية لامبيدوزا تلك- ولا تُعيرُه إلّا لشخص واحد، هو ذلك الرّجل ذو النّظّارتين السّميكتين...

زمن «الصّندوق الأخضر»

تشكّلتْ أولى مكتباتي، بُعيْد بلوغي السّابعة بقليل، من كتب ثلاثة فيما أذكر. ذلك كان المنطلق. وتلك الكتب كانت هي «دمعة وابتسامة» لجبران، و«النّحو الواضح» – لا أذكر مؤلّفه- وكتاب ثالث من تأليف أساتذة مصريّين، من بينهم أحمد أمين. هذا الكتاب الثّالث كان أصفر الورق، لكنّه لم يكن من الكتب الصّفراء، وإنّما كان يضمّ بين دفّتيه مقطوعات طويلة من قصائد جميلة، خُصَّتْ كلٌّ منها بتقديم مُحَبِّب، وشُرِحت كلماتها الصّعبة في أسفل الصّفحة. وعن طريق هذا الكتاب، ترسَّخَتْ في ذاكرتي أسماء شعراء، مثل: عُمارة اليَمنيّ – الذي لم أقرأ له شيئاً منذ زمن الطّفولة ذاك – وكشاجم وصالح بن عبد القدّوس، وفيه قرأت للمتنبّي مقطوعة طويلة من قصيدته عن الحُمّى، وللمعرّي مقطوعات، إلخ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا