• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

مرآة الداخل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 أبريل 2016

سعود السنعوسي

تسبقني مكتبتي إلى كل غرفة جديدة أسكنها، قبل أي شيء آخر. ذلك عندما كانت الغُرف تتسع لمكتبة! قبل سنوات لم تعد غرفتي الصغيرة تحتمل رفاً جديداً. عزمتُ على غزو غرفة المخزن في الطابق الأول بعدما عاينتُ جدرانها وزواياها، غرفة تخزِّن فيها والدتي أدوات الغسيل وأواني المطبخ وأشياءها الأخرى. رغم صعوبة القرار، فصل المكتبة عن غرفة النوم، فإنه كان الخيار الوحيد. ولأنه خيار لا ثاني له، أبقيت مكتبتي في غرفة نومي بعد رفض والدتي إخلاء غرفة المخزن، ومع رفض والدي القاطع لفكرة توسع مكتبة يرتابُ في شأنها، خشية أن تحمل كُتُبها ما يلوِّث عقلي. لم يكن والدي مؤمناً بأن القراءة، وبالتالي الكتابة، بالنسبة لي مشروع حياة. لم ير في اعتكافي داخل الغرفة غير ما يعطلني عن التحصيل العلمي وما يؤثر على دراستي.

جائزة على الجائزة

أبقيت عيناً مفتوحة على مكتبتي في غرفة النوم والكتب في رفوفها وعلى الأرض من حولها، وعيناً أخرى مفتوحة على غرفة المخزن لعلَّهما يغيِّران رأيهما. بعد سنوات قليلة عدت إلى البيت أحمل لهما خبراً: «فازت روايتي بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب». المفاجأة الأولى أن لي رواية. المفاجأة الثانية فوزها بجائزة. لمحتُ الفرح في وجهيهما. التفت والدي إلى والدتي: «فلنفرغ له غرفة المخزن!». وصارت لي مكتبة.

قد يبدو الحديث عن علاقتي بالمكتبة عاطفياً. حسناً، هو كذلك، إذا ما تأملت عدد الرفوف التي أضيفها بين حين وآخر مذ كنت طفلاً. كلانا يكبر مع الآخر. لا أحد يعرفها كما أفعل، بطريقة تصنيف اعتمدتها منذ مراهقتي، أعرف موقع كل كتاب من موقع مؤلفه على خريطة العالم. الكتب الآسيوية شرقاً، الكتب العربية في الوسط، الأوروبية في الرفوف العلوية غرباً، الأميركية أقصى الغرب، وفي الرفوف أسفلها الكتب اللاتينية.

المكتبة مرآة أخرى، أكثر عُمقاً. فإذا كانت محطتي الصباحية الأولى أمام مرآة أحلق أمامها ذقني وأتأكد من سلامة ثيابي، فإن المكتبة مرآة على الداخل. هو الشعور الذي ينتابني إذا ما وقفت أمامها أنقِّلُ بصري بين رفوفها وعناوين الكتب، بدءاً من قصص الأطفال، مروراً بكتب الأساطير والتاريخ والسير الذاتية، ثم دواوين الشعر وكتب الفلسفة، استقراراً في عالم الرواية. وإذا كانت مرآة الصباح تعرِّفني إليّ شكلاً، فإن المكتبة تعرِّفني إليّ مضموناً. أنا خليط من كل هذه الكتب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف