• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

من الهشاشة إلى المشاركة الفاعلة

تفعيل المواطَنة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 مارس 2017

د. عزالدين عناية *

يملي الموضوع الذي نحن بصدد معالجته ضبطاً أوّلياً لمفهوم المشاركة في الحياة العامة، خصوصاً أن فحواه لا تتعلق بمشاركة من جنس محدّد: سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو ما شابه ذلك؛ ولكن يعالج المسألة في عمومها، في صلتها بالفضاء العام، بتعبير سوسيولوجي. فما دواعي فتور هذه المشاركة في المجال العربي؟ وما آليات تنشيطها؟ فلا ريب أن المشاركة على النحو المطروح هي عملية شاملة وجامعة، تتجاوز محدودية المشاركة السياسية، أو المشاركة النقابية، أو المشاركة الجمعياتية، أو المشاركة الثقافية. وصحيح أن المرء بوصفه مواطناً، فهو مدعو إلى تفعيل مشاركته وتكثيفها بما ينجرّ عنه نفع لعموم الناس وترسيخ للصالح العام.

ولكون هذه الممارسة، عملية المشاركة، تفترض - جدلاً - انتماءً إلى كلٍّ مجتمعي، يلتزم ضمنه الفرد بواجبات معينة تترتّب عليها سلسلة من الحقوق. وبالتالي يلوح ارتباط عملية توسيع نطاق دائرة المشاركة أشدّ الارتباط بإعادة الدور لمفهوم المواطَنة المصادَرة. ولإكساب المواطن ثقةً في فعله، ودفعه نحو القيام بدور حقيقي في عملية الفعل الاجتماعي يقتضي الحال إخراجه من دائرة الهشاشة المواطَنة، التي تتضارب مع فحوى اللوائح الدستورية ودلالاتها. فالمشاركة في الحياة العامة هي نوع من الإلزام الخلقي يقتضيه الضمير المدني، وبدونه يبدو إرساء المجتمع ديمقراطي، الذي يتساوى فيه الجميع على القدر نفسه من الحظوظ مستبعَداً.

ترهّل النسيج الاجتماعي

إذ كلّما اتّسع حيز اللامشاركة في المجتمع، ودبّ الفتور والوهن في الالتزام الاجتماعي، إلاّ وأُصيب النسيج الاجتماعي بنوع من الترهّل، تبقى تداعياته جلية الأثر في زعزعة التماسك المجتمعي، والمجتمعات العربية تعاني في ظرفها الراهن من أزمة عويصة في التماسك الاجتماعي. ينجرّ عن ذلك أن يواجِه المجتمع من داخله سلبيةً اجتماعيةً تتمثّل في تفشّي داء اللامبالاة وهو ردّ فعل صامت، وعفوي أحيانا، على أوضاع تشكو خللاً واضطراباً، وتتطلّب إصلاحاً عاجلاً حتى يعود الترابط بين المواطِن والمواطَنَة إلى سالف عهده. وتحتاج عملية بناء الثقة المواطَنة بين المُواطن والدولة، وبين مختلف الفئات الاجتماعية إلى إعادة نظر في شروط هذا العقد الاجتماعي ومتطلباته؛ من هذا الباب يكون تفعيل القوانين، وتنفيذ الإجراءات، وإضفاء مصداقية على دور المؤسسات، سُبلاً للقطعِ مع حالتيْ الشكلانية والصورية اللذيْن غالباً ما يسدّان منافذ المشاركة ويعطلان آلياتها، فتتحول إلى مشاركة ديكورية لا غير.

عند هذه النقطة يُطرح التساؤل حول نوعية الإجراءات، التي يمكن تبنّيها من أجل تصحيح المشاركة وإتاحة فُرصة أرحب لها؟ فلا شكّ في أن الوضع السائد في البلاد العربية لتدنّي مستويات المشاركة، هو عائد إلى أوضاع صورية القيم وهشاشة المؤسسات.

فالركون إلى الحثّ على المشاركة والدعوة إلى القيام بدورٍ في المجتمع، ضمن فهم خُلقي مفارق، من شأنه أن يصيب العملية بالعطل، ويُبقي المشاركة الاجتماعية محدودة الأثر. فما لم يلاحِظ المرء تغيّراً فعلياً وصدقية في تطبيق القرارات السياسية، فإن كافة عمليات الحث على المشاركة تبقى مفتقِرة إلى شروطها العملية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا