• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

في المقدّس الديني والمقدّس الدنيوي

الشعر مقدّساًً ومدنّساًً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 مارس 2017

خزعل الماجدي

تقومُ فكرةُ الدين، كلُّها، على أساسِ وجودِ جوهرٍ مقدّسٍ تدور حوله كل منظومة الدين ومكوناته الأساسية (المعتقد، الأسطورة، الطقس، الآخرويات). وفي مقابل العالم الديني المقدّس الذي هو، عند الإنسان، استشعارٌ أو حدسٌ لطاقة الكون كان هناك العالم الدنيوي والمدنَّس الذي هو تماسٌ مع المادة، وهكذا وضع الإنسان هذين العالمين المتميزين في تضادّ شديد: الأول هو العالم المقدّس الذي يسعى الدين لكشفه والتمثل به، والثاني هو العالم المدنَّس الذي تسعى الدنيا لكشفه والتمثل به. وكان هذا التعارض، قديماً وحديثاً، مثارَ جدلٍ ساخنٍ وتصادمٍ شديدٍ فقد كان المقدّس يعادل القوة والطاقة والمشبع للكيان والفاعلية بينما كان المدنَّس يعادل الخواء والمادة المتهافتة الزائلة والزيف. ورغم أننا لا نميل لفصل الدين عن الدنيا فهما متداخلان، لكننا من أجل الدراسة النظرية وإلقاء الضوء على المحركات الدينية والدنيوية وهي تلتحم وتنفصل رأينا النظر إلى كلّ منهما بمحركاته وقواه الداخلية.

لقد عرفنا أن جوهر الدين يكمن في المقدّس، أما جوهر الدنيا فيكمن في المدنَّس، وقد حاولنا البحث عن نواة وجوهر هذا المدنَّس فوجدنا أنه يكمن في الجنس، فالجنس هو جوهر المدنَّس وجوهر الدنيا، مثلما رأينا أن الطاقة السارية هي جوهر المقدّس.

وبذلك نحصل على هذه المتناظرات المهمة (الطاقة السارية، الطاقة الإيروسية)، (المقدّس، المدنَّس)، (الروحي، الجنسي)، (الديني، الدنيوي)...الخ وتشطرُ هذه المتناظرات العالم كلّه إلى متناظرات مماثلة لها فالمكان المقدس والمعبد والعمود المقدّس وسرّة العالم هي أماكن نشكونية مشحونة بالمقدّس، وهي مركزية في مقابل الأماكن الكونية التقليدية كالبيوت والساحات والشوارع التي هي أماكن دنيوية محيطية.

كان السحرُ أول أشكال العلاقة بين الإنسان والمقدّس، ولذلك فهو أول قناةٍ للاتصال بين المقدّس والإنسان.. وتتضمن هذه القناة شحنات إيجابية من الإنسان إلى المقدّس (وهو ما نسميه بالسحر) وشحنات سلبية من المقدّس إلى الإنسان (وهو ما نسميه بالعرافة) وكلاهما كانا، من وجهة نظرنا، أول شكل من أشكال الشعر، الشعر بصورته العملية ممارسةً والشعر بما ينضحُ عن هذه الممارسة من كلماتٍ وجُملٍ ثم جاءت مراحل أخرى بعد السحر وهي الأرواحية وظهور الآلهة ومرحلة التوحيد، وهكذا انقسم تاريخ العالم روحياً أو تاريخ الروح إلى أربعة مراحل اختلفت في كلٍّ منها طرق النظر إلى المقدّس والمدنَّس ونتج عن ذلك اختلاف في نوعي الشعر الرئيسين الديني والدنيوي

ويخبرنا هذا بالتاريخ الرباعي لتطور المقدّس، ويتبع ذلك تغيّر نمط التعبير عنه والذي نراه شعراً، حيث يظهر مزدوج شعري يتبع تطور المقدّس، هذا المزدوج يتغير تبعاً لتطور الروح وكيفية تحسس المطلق. فالتطور الديني حصل كما يلي: (التميمة، الترتيلة، الأسطورة، النص أو الكتاب المقدّس)، والدنيوي تطور مناظراً لذلك كما يلي: (الأغنية، الحوارية، الملحمة، القصيدة).

السحر.. التميمة والأغنية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا