• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

من لا ماضٍ له.. لا حاضر له

مبادرات على مستوى الدولة لجمع وحفظ التراث

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 08 فبراير 2015

تحقيق: ثناء عبد العظيم الوثائق القديمة هي ذاكرة الوطن ويستند عليها الدارسون والباحثون عن معرفة ماضينا الذي هو جزء مهم من حاضرنا ومستقبلنا، وثائق شفهية يتناقلها الرواة على مر السنين، وأخرى حسية يتداولها الآباء والأحفاد، من معاملات ومخاطبات ومراسلات وعقود بيع أوشراء. الوثيقة مصدر مهم من مصادر المعلومات، تحمل بين طياتها تفاصيل حياة وثوابت مجتمع، يستمد منه حاضره ومستقبله، فلم يكن التحضر والتطور الذي شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة سوى تراكم لعصور وحقب متوالية. الوثائق هي كنوز ربما وضعت في متاحف أو معاهد للبحث والدراسة، فمنها ما وضع داخل صناديق مغلقة كذكريات لزمن جميل، ومنها ما أهمل وأتلف أو ضاع بموت صاحبه واستغناء الأحفاد عنه، أوراق قديمة ومخاطبات ومراسلات وعقود بيع أو شراء أو حتى أشياء شخصية أو صور التقطها الأصدقاء لمعالم دولة قديمة، فكلها وثائق مهمة أشار لها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ أكثر من 35 عاماً، ووجه بجمعها وحفظها، حينما قال: «من لا ماضٍ له لا حاضر له»، وصدرت مؤخراً مبادرات وطنية لجمع تراث الوطن، أطلقتها كل من إمارتي أبوظبي ودبي باعتبارها مسؤولية مجتمعية، يشارك فيها الجميع. مبادرة زايد الأولى وعن الجهود التي تبذلها الدولة في جمع التراث وتوثيقه، يقول جمعة الدرمكي «رئيس وحدة المتاحف في مركز زايد للدراسات والبحوث، التابع لنادي تراث الإمارات»: «إن أول مبادرة لحفظ التراث في الدولة أطلقها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عام 1976، حيث قام بتشكيل لجنة متخصصة بجمع وتوثيق تاريخ وتراث الإمارات، ترأسها بنفسه، ومنذ انشائها قامت بتوثيق تاريخ الإمارات وإصدار العديد من الكتب والنشرات في مجال التراث، وخلال الأربعين عاماً الماضية، قامت وزارة الثقافة بمبادرات عديدة على مستوى الدولة، من خلال الوزارات والمؤسسات المحلية، وبعض الأفراد المهتمين بجمع تراث الإمارات، بإصدار العديد من الكتب، منها «رجال في المسيرة»، وهو كتاب يوثق لجهود كثير من الشخصيات البارزة في المجتمع، وكذلك الألعاب الشعبية، والقصص الإماراتية، وكتاب «أيادٍ من ذهب» الذي يوثق للمهن الشاقة، والعديد من كتب التاريخ. وأشار إلى أن «آخر هذه المبادرات كانت تحت مسمى (وثق) التي أطلقها الأرشيف الوطني في أبوظبي في ديسمبر 2014، بناءً على توجيهات سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس إدارة الأرشيف الوطني. بضرورة الحفاظ على الإرث التاريخي، من الوثائق والمستندات الشخصية المتوافرة لدى أفراد المجتمع، في الأماكن المجهزة خصيصاً لحفظها من التلف والضياع، بالإضافة إلى مبادرة (توثيقي) التي أطلقها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، وجميعها تمثل أحد المظاهر المهمة لسيادة وتطور الدولة». الجمع والصيانة وقال الدرمكي: «إن هيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، من خلال إدارة التراث، كان لها دور كبير في حفظ التراث المادي والمعنوي وجمعه وصيانته، والتعاون مع دول خليجية للعمل على إبراز التراث الخليجي بنسيجه الموحد وعمقه التاريخي، بالإضافة إلى أن دور نادي تراث الإمارات المعني بشكل كبير في جمع التراث ونقله لجيل المستقبل». مشيراً إلى أن «الإمارات من أكثر الدول التي تُعنى بجمع التراث وتعريف العالم به، من خلال المهرجانات التراثية والثقافية، منها الظفرة وسويحان، ومهرجان الشيخ زايد التراثي، كما أنها تحتفي بالمناسبات العالمية في شهر أبريل من كل عام، بمناسبة اليوم العالمي للتراث، في إقامة الندوات وإصدار النشرات». وقال: «إن أيام الشارقة التراثية من المهرجانات المهمة والكبيرة التي يرعاها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في إلقاء الضوء على تراثنا، من خلال عرض جميع المهن والحرف التراثية القديمة». حتى لا نفقد الذاكرة وقال عبد العزيز مسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، لـ«الاتحاد»: «رحيل الأجداد الأولين، ممن كانوا يحملون تلك الكنوز في ذاكرتهم، أضاع الكثير من تراثنا، وكان لابد من وجود مبادرات وطنية قبل ربع قرن، وأي مبادرة تصدر الآن سيكون لها مردود إيجابي لإنقاذ ما تبقى من وثائق ومستندات شخصية للحفاظ على ما تبقى، خشية الضياع أو الإتلاف حتى نتدارك ما تم الإغفال عنه من قبل»، مضيفاً: «إن إمارة الشارقة تقوم بجهود منذ الثمانينات في جمع التراث والحفاظ عليه، حيث كانت نقطة الارتكاز الرئيسة مع مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي، وسوف نعلن قريباً عن مشروعات كبيرة في مجال حفظ التراث بجميع أنواعه، بدعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وجميعها تصب في خدمة الإرث الثقافي العظيم». وقال عبدالعزيز مسلم: «إن رحيل الأجداد من حملة الذاكرة الشعبية، الذين ولدوا مع نهايات القرنين التاسع عشر والعشرين، أضاعت إرثاً كبيراً سواء كان وثائق حسية أو معنوية، وجزء كبير من الذين بقوا على قيد الحياة أصابهم الخرف، وهؤلاء كان يجب الالتقاء بهم في مطلع الثمانينات لحفظ التراث». ويقول مسلم: «التقيت بكبار السن من الرواة في العين والشارقة ودبي، وتعرفت إلى تلك الكنوز البشرية، وهذه مهمة صعبة في خدمة التراث الثقافي، دونتها في كتاب «دروب الود». مأثور شعبي ويشير الدكتور يوسف عيدابي، باحث تراثي ومدير منشورات القاسمي بدارة الشيخ سلطان في الشارقة، إلى أن المبادرات الوطنية التي أطلقت مؤخراً لجمع المأثور الشعبي مردودها ضعيف إلا إذا تمت استجابة واسعة من أفراد المجتمع، وانضم إليها أكاديميون ومتخصصون ذو كفاءات عالية وخبرة، الأمر الذى يهيئ لها آليات عمل ورقية وإلكترونية حتى يتم تصنيفها وفهرستها وأرشفتها بطرق علمية. وقال: «إن حفظ مخطوطات ووثائق رسمية أو شخصية، هي دعوة مهمة ومبادرة فالحة لابد أن تتبعها خطوات أخرى، بعودة دور الجامعات، وتأسيس أقسام للتراث الشعبي وتدريسه، وإلحاق المراكز المتخصصة بها لممارسة هذا العمل الذى يستلزم الكثير من الباحثين والخبراء، وإطلاق حملات وطنية يعمل بها متطوعون لجمع الماثور الشعبي». موضحاً «بأن هناك بعض الشخصيات البارزة في الدولة، لديها الكثير من الوثائق والمخطوطات والأشعار ومخزونات من التراث المختلفة سواء المادية أو المعنوية، لم تصل إليها أيدي الباحثين والمراكز المتخصصة، ولابد من تتابع هذه الذخائر التراثية والاهتمام بأصحابها، وتوفير نسخ أو مستنسخات منها». ويقول الدكتور عيدابي: «هناك كثير من المحاولات التي قضى عليها، أهمها مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون، ومقره الدوحة، وبعد توقفه أصبحت كل الجهود فردية أو مؤسساتية في حيز ضيق وضعيف». مضيفاً: «إن إهمال التاريخ هو إهمال للإنسان، وموت حملة التراث قبل توثيقه هي موت لذخائر المكتبات والمعارف التي توثق لحرفهم وحكاياتهم وثقافتهم». مشيراً إلى أن «مقولة حكيم العرب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، «من لا ماضٍ له لا حاضر له»، دعوة مهمة لحفظ تراث الوطن، وتسجيله وتوثيقه. مبادرات وطنية مبادرات وطنية بمسميات مختلفة أطلقتها كل من إمارتي أبوظبي ودبي، وحملات تهدف إلى تكوين أرشيف شخصي لكل مواطن لحفظ الوثائق والسجلات والمقتنيات التاريخية والثمينة، التي بحوزتهم، كمصدر موثق يرصد أدق تفاصيل الحياة في المجتمع الإماراتي، ويُستند عليه في معرفة واقع مجتمعنا الإماراتي القديم. ويقول الدكتور عبد الله الريّس، المدير العام للأرشيف الوطني: «إن حملة (وثّق) هي مشروع وطني على مستوى الدولة، جاءت بناءً على توجيهات من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس إدارة الأرشيف الوطني، وتستهدف المبادرة الأسر المواطنة بإعتبارها المكون الرئيسي للمجتمع الإماراتي. ولفت الريّس إلى أن هذه المهمة الوطنية يتحمل مسؤوليتها جميع أبناء الوطن لجمع ذاكرة الوطن وحفظها في الأرشيف الوطني، بأسلوب علمي، وفق معايير علمية وعالمية. وأشار إلى أنه يمكن لأي شخص لديه وثيقة خاصة، ذات بعد تاريخي أو وطني، تسليم صورة عنها للأرشيف الوطني أو بيعها أو التنازل عنها، وسيحصل لقاء ذلك على تعويض وفقاً للضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون. مشيراً إلى أن معظم المستندات الشخصية للأفراد تتنوع ما بين الوثائق الرسمية والشهادات التعليمية وشهادات الأملاك والسجلات التجارية والمخطوطات والصور العائلية، وغيرها من المستندات التي تحرص الأسر على الاحتفاظ بها لفترات طويلة أو العودة إليها وقت الحاجة، ولضرورة حفظها من عوامل الضياع والاندثار والتلف، يقوم الأرشيف بتوزيع صناديق (وثّق) على الأسر، من خلال 119 مركزاً معتمداً. وثائق الفلك وأعربت الدكتورة أمينة الظاهري، مديرة مركز البحوث والدراسات بمركز حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، عن قلقها إزاء ضياع أو إتلاف الموروث الشعبي الذي يعد كنزاً غنياً بتفاصيل حياة مضت، وقالت: «إن مبادرة (توثيقي) التي أطلقها المركز لحفظ التراث هي رسالة للمجتمع بأهمية الموروث الثقافي باعتباره مصدراً ثقافياً وتاريخياً للدولة، وهي دعوة للناس لإظهارها خاصة، وأن هناك الكثير ممن يحتفظون بالوثائق القديمة، فمنذ إطلاق الحملة جاء للمركز أكثر من (خمسمائة وثيقة ومخطوطة، منها مائتا صورة قديمة)، مضيفة: «إن أهمها مخطوطة قديمة عن علم الفلك والبحار، كتبت باليد استخدمها الإماراتيون لمعرفة اتجاه الريح في البحر ومواقع اللؤلؤ، كذلك رسومات وأشعار قديمة، كتبها أحد أفراد عائلة بن كلبان التي عملت بتجارة اللؤلؤ، كما حصلنا على رسالة خطية للشيخ سعيد بن مكتوم، كتبها عام 1927 م، موجهة إلى المعتمد البريطاني في الخليج، وكان وقتها حاكم دبي، ووثيقة بيع تم عام 1320 هجرية، وسجلت بأختام مختلفة منذ 116 عاماً، ووثائق سفر صادرة لمواطنين من الحكومة البريطانية في أربعينيات القرن الماضي، وهذه وثائق كانت متداولة بين الناس، تظهر أن حياتهم لم تكن عشوائية». وتقول الدكتورة أمينة الظاهري: «إن الوثائق تشمل ثمانية عشر نوعاً من الوثائق، منها الصور، والمخطوطات المكتوبة باليد، والمستندات الرسمية وغير الرسمية، والتقارير التي كان يكتبها الموظفون عن المجتمع أيام الاحتلال البريطاني، لحفظها في الأرشيف البريطاني، وعقود بيع وشراء وإحصاءات وخرائط مرسومة باليد أو التقطت بالطائرات، ورسوم بيانية، ومعاهدات متداولة بين الدول والمسؤولين، والأوامر والعهود، ومحاضر الجلسات والاجتماعات، والسير والتراجم، والوثائق الأدبية، والكتب القديمة، والمقالات المنشورة في الصحف، والشهادات والتصاريح الرسمية، والتسجيلات والمقابلات». هوية عربية تقول فاطمة الصايغ، أستاذ التاريخ بجامعة الإمارات: «إن توثيق الأوراق والمستندات القديمة، من أجل الحفاظ على هويتنا العربية والوطنية، ولكي نثبت للعالم أن التطور والتحضر الذي تشهده بلدنا لم يكن سوى نتاج جهد ومثابرة الأجداد والآباء الأولين، ونستمد من جذورنا التاريخية حاضرنا ومستقبلنا، ولتعلم الأجيال الجديدة من الذين لم يعاصروا تلك الحقبة القديمة، عظمة الأمة التي لم يعرفوا عنها الكثير، لأنهم حينما كبروا لم يجدوا أمامهم سوى التطور والنهضة والحياة المستقرة. طفرة حضارية عن أهمية حفظ التراث يقول الكاتب والباحث علي أبو الريش: «إن حفظ الوثائق القديمة هي إضافة إلى رصيد حاضرنا ومستقبلنا، خاصة أن الإمارات شهدت خلال العقدين الماضيين طفرة حضارية كبيرة، حتى أصبحت لاعباً قوياً في فضاءات العالم». مضيفاً: «إن أرشفة الوثائق الشخصية القديمة سواء كانت مخطوطات على أحجار أو منقوشة على جذوع الأشجار، هي جهد بشر قاموا به ورحلوا عن عالمنا واستفدنا منهم في وضع هذا المشهد الجديد. مساقات جامعية في التراث أكد جمعة الدرمكي، رئيس وحدة المتاحف في مركز زايد للدراسات والبحوث، التابع لنادي تراث الإمارات، أن بعض الجامعات في الدولة خصصت مساقات في التراث والتاريخ الإماراتي، من أجل خلق جيل قادر على المحافظة بشكل علمي ودقيق على الموروث الثقافي لدولة الإمارات. وقال: «إن الدولة عنيت بإقامة المتاحف التراثية، حيث أقام نادي تراث الإمارات في أبوظبي متحفاً بالقرية التراثية بمنطقة كاسر الأمواج، ومتحف الشيخ زايد بمنطقة البطين، هذا بالإضافة إلى جهود إمارة الشارقة، كما أن الشارقة أقامت المتاحف التراثية، والتي تُعنى بتاريخ الإمارات، لعرض أدوات الغوص والزراعة القديمة وأواني الطبخ، والملابس التراثية، وما كان يستخدمه الأجداد قديماً، بالإضافة إلى المخطوطات القديمة والصور». وأشار إلى أن «الشارقة أقامت معهداً للتراث، لإلقاء المحاضرات والدورات المتخصصة في العديد من الجوانب التراثية، وتقديم شهادات معترف بها دولياً، ودعم أصحاب المقتنيات والمتاحف الشخصية، كما أن صدور التشريعات والقوانين من الدولة حافظ بشكل كبير على التراث وإدامته، وكلها جهود تعمل عليها الدولة لحفظ التراث». جمعة الدرمكي «وثق» مشروع وطني لحفظ ذاكرة الوطن عبدالله الريس مركز حمدان للتراث جمع أكثر من 500 مخطوطة ووثيقة أمينة الظاهري

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتعرض ابنك للتنمر المدرسي؟ وهل أجاد الأخصائي الاجتماعي التصرف؟

نعم
لا
لم يتعرض