• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لا بد للعالم أن يعود إلى الوضع الذي كان عليه، والذي يميل إلى البحث عن توازن القوى دون الحاجة لعقد الأحلاف

«الناتو».. ونهاية مرحلة «القطبين»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 09 أبريل 2016

مارك تشامبيون*

يُكثر المرشح «الجمهوري» دونالد ترامب هذه الأيام من الحديث حول مستقبل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، على الرغم من اعترافه بأنه لا يعرف إلا القليل عنه. وحتى ذلك الشيء القليل الذي يعرفه ليس إلا سلسلة من الأخطاء المثيرة للسخرية. ولكنه على أي حال، لم يكن مخطئاً عندما تساءل عما إذا كان هذا التحالف الغربي قد دخل بالفعل طور الإهمال والنسيان. وهناك بعض الأصوات التي تنادي بين الحين والآخر بإعادة الهيبة للحلف. ولقد قال الرئيس أوباما يوم الاثنين الماضي: إن الحلف «يبقى بمثابة المحور الذي تدور حوله العجلة، وهو حجر الزاوية في استراتيجية الدفاع الجماعي والحفاظ على الأمن الوطني للولايات المتحدة». وكان من الواضح أن ما قاله أوباما هو ردّ ضمني على أطروحات ترامب، لكن السؤال الذي نسي الرئيس الإجابة عنه هو: كيف؟

في عام 1998، كان جورج كينان، عالم السياسة وعَرّاب استراتيجية الاحتواء الأميركية إبان فترة الحرب الباردة، قد أعلن عن معارضته لفكرة توسيع المجال الجيوسياسي والعسكري لهذا التحالف بحيث يخترق دول حلف «وارسو»، وقال: إن ذلك يعدّ خطأ فادحاً. وأشار إلى نقطة مهمة عندما قال: «أليس الناس على خطأ فيما يفكرون فيه؟، لقد كانت خلافاتنا في الحرب الباردة تقوم مع النظام السوفييتي الشيوعي، وليس مع روسيا». ولقد كان الروس يوافقونه على هذا الطرح منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

ويبدو أن طرح ترامب يتطابق مع مواقف وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد، الذي اشتهر بعدم حماسته لحلف «الناتو»، وهو لا يرى فيه تحالفاً مبنياً على إجماع الدول الأعضاء المشاركة فيه، ولقد نفض يديه من المادة 5 للقانون الأساسي للحلف التي تدعو إلى الدفاع الجماعي عقب اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة. وكان يفضل بدلاً من ذلك تشكيل ائتلاف من الدول التي توافق بشكل مباشر على السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة بالذات، بدءاً من قرارها بغزو العراق.

ولقد ظهر خلال بضع سنوات مضت وكأن «الناتو» كان يبحث لنفسه عن دور جديد. وكان هذا أمراً طبيعياً، طالما أن التحالفات لا بد لها أن تتخذ موقفاً مضاداً لأطراف أخرى إذا أرادت أن تبقى وتواصل نشاطاتها. ولقد رأى البعض أن الإرهاب لا يمثل بحدّ ذاته تهديداً ينطوي على الخطر الكافي حتى تتوحّد دول «الناتو» لمواجهته. وسبق لعالم السياسة الأميركي «كينيث والتز» المتخصص بالعلاقات الدولية (توفي عام 2013)، أن وضع «سيناريو» تحليلياً للطريقة التي سيأتي فيها حلف الناتو على نهايته، حين قال: «لقد أثار الناتو اهتمام أوروبا وروسيا لفترة من الزمن، وكان ضامناً للوجود الأميركي في أوروبا، ولعب دور القوة الداعمة للاستقرار خلال فترة التغير المؤقتة. وكان وجوده واستمراره ذا مغزى وفائدة، وأما على المدى البعيد فلن يبقَ كذلك أبداً». وأضاف: «وعلى الأوروبيين أن يتعلموا كيف يهتمون بأنفسهم وإلا فإنهم سيعانون من عواقب تقاعسهم في هذا المجال. ويمكن القول الآن إن أيام بقاء الناتو لا يمكن عدّها، ولكن سنواته المتبقية أصبحت قليلة».

ويرى «والتز» أن عالم القطبين الذي ساد أيام الحرب الباردة كان يمثل حالة شاذة. وعندما انتهت تلك الحالة، كان لا بد للعالم أن يعود إلى الوضع الذي كان عليه، والذي يميل إلى البحث عن توازن القوى من دون الحاجة لعقد الأحلاف. وهكذا كانت عليه حال أوروبا عام 1949، كما أن فلاديمير بوتين ودونالد ترامب يفكران الآن بنفس هذه الطريقة. لكن الأمور تغيرت منذ أقدمت روسيا على ضم شبه جزيرة القرم عام 2014. وتنبأ الأوروبيون، الذين ما كانوا يعيرون أطروحات «كينان» التي تفيد بأن التهديد الآتي من موسكو قد انتهى مع انهيار الشيوعية أي اهتمام، بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ظهور الشيوعية، أي في عهد روسيا القيصرية الاستعمارية. ولكنهم يشعرون الآن بالخوف الذي جدد مواقفهم المؤيدة لحلف «الناتو». ويضاف إلى ذلك أن الأخطار التي تهدد الشرق الأوسط أصبحت أكثر قرباً من أوطانهم. وهذا ما دفعهم إلى العودة لطلب النجدة من «الناتو» مع الأخطار التي تهدد أمنهم الوطني، بسبب أزمة اللاجئين من دول الشرق الأوسط. ولا بد من التذكير أيضاً بأن «الناتو» ليس مجرد حلف دفاعي يتصدى للأخطار الخارجية، بل إنه يساعد على تخفيف حدة التوتر السياسي بين أعضائه في حالة حدوث الأزمات.

*محلل بريطاني متخصص بالعلاقات الدولية

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا