• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

اكسترا ميديا

الاتصال البنّاء لتجنّب التهلكة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 06 يناير 2014

د. الياس البراج

في غياب الاتصال البنّاء، يمكن لكثير من الكيانات والشعوب أن تتفتّت وتتشظى، وتصبح وحدتها أثراً بعد عين. وإذا ساد هذا الغياب، كما هو حاصل في العديد من الكيانات العربية، يمكن لكل نزاع أن تتفرع عنه نزاعات فرعية على طريقة القنابل الانشطارية، وقد يصبح في العالم أكثر من سبعة مليارات صوت، وكيان ومشكلة.

ولحسن الحظ، فإنّ ما يحول دون هذا التخيّل وجود مناهج ونماذج أخرى في العالم، تختلف عن السائد عربياً، إلى حد النقيض، وتعطي بصيص أمل بأن حالة التشظي العربية ليست نهاية المطاف ولا قدر العالم. ومهما انطوت عليه سياساتها من غايات إمبريالية أو استعمارية بلون جديد، تثير تلك النماذج الناجحة العجب، والإعجاب، ربما بنفس مقدار التعجب والاشمئزاز الذي تثيره حالة العجز المتزايد بين أبناء الجلدة الواحدة، أو العقيدة الواحدة، على حد أدنى من التفاهم أو العيش المشترك، في ظل حروب إلغاء وفناء لا تنتهي.

ولو حاولنا أن نعيد هذه المعضلة إلى أصل واحد، لوجدنا أن جانباً مهماً يجمع بينها، هو غياب التواصل البنّاء رغم حاجة الجميع إليه، وهو جانب يتجلى من خلال التالي:

1- يدرك الجميع أن نهج التشظي يأخذ الجميع نحو الأسوأ، وإلى مزيد من الإلغاء المتبادل والإفناء. ورغم إدراكهم واعترافهم (وتشدّقهم أحياناً)، بالخطر الداهم والشامل للجميع، لكنهم لا يبلغون -إلاّ متأخرين- الدرجة التي يقرّون معها بحاجاتهم إلى تواصل بنّاء.

2- هذا الانفصام بين الإدراك والإقرار لا يمكن تفسيره إلا بطبيعة غرائزية، أو حالة جماعية من جنون العظمة لدى المتصارعين. هي حالة تجعلهم في حالة بحث دائم عن تفوق أو انتصار وانتقام. هو بحث أدى بالكثيرين من أمثالهم (ومن جماعاتهم) إلى التهلكة، بما فيها هلاك المنتصر، الذي عادة ما يرث بحراً من الكراهية، وجيوشاً نائمة من المتربصين، ودفاتر من الحسابات التي ستحتاج عاجلاً أم آجلاً لتصفية.

3- رغم هذه الخسارة العامة والمنتظرة (الشاملة للمنتصر والمهزوم)، ورغم إدراك الجميع للخطر الداهم، فقلّما يبادر أي منهم ومن تلقاء ذاته للتواصل البنّاء، لكن غالباً ما يستجيب الجميع لدعوات ومبادرات الكبار من الدول والمنظمات، وغالباً ما يطيعون رغبات أصحاب الدعوة كلّما كان هؤلاء ينتمون لقوى كبرى، أو دول غنية، فتنفرج بسحر ساحر عندها قنوات الاتصال ثم المفاوضات فتكر سلسلة التنازلات عبر مسلسل طويل من الذرائع.

4- يغفل الجميع عن أن كل هذا القدر من التنازل والتهاون الذي يتضمن عادة تلاشياً مفاجئاً لوجع الضمير ونسيان الكبرياء والكرامة، والوفاء لدماء القتلى وغيرهم من الضحايا والثكالى والأيتام، يغفل الجميع أن كل ذلك هو أحد أبرز أشكال الأسوأ الذي سبق وأصروا على الوصول إليه، في حين أن كل ما كانوا بحاجة إليه هو فقط تواصل بنّاء، بين أبناء الوطن الواحد أو الأمة الواحدة والجلدة الواحدة، وكل ما كان يلزمهم للمباشرة به هو شيء من تبصّر وحكمة .. وقليل من جرأة وإقدام.. أي مقومات النصر المشرّف نفسها.

barragdr@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا