• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

كلمات وأشياء

كرويف الذي عشقته (2)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 أبريل 2016

بدر الدين الأدريسي

بالقطع لن تنفعني مهارة الاختزال لأختصر على قدر مساحة هذه الزاوية، ما جذبنا عاشقين ليوهان كرويف، وما ترسخ في ذاكرة كرة القدم العالمية من صور تعبر فعلاً عن عبقرية الرجل، لاعباً خارقاً ومدرباً ثورياً ومنظراً لأحدث ما عرفته منظومات اللعب.

بعد ثلاث سنوات خرافية لكرويف مع معقل الإبداع أياكس أمستردام، سيرحل الهولندي الطائر إلى برشلونة ليؤسس لعلاقة عشق بدأت منذ سنة 1974 إلى غاية يوم وفاته، وإذا كان العالم قد بكى رحيل أسطورة، فإن برشلونة بكت بحرقة رحيل من رفعها لعنان السماء ومن ساعدها على الصعود بشكل صاروخي إلى أعلى المنصات أوروبياً، ليصبح الفريق الكاتالوني ملكاً على مملكة الإبداع.

كان كرويف اللاعب والفنان صاحب لمسة مميزة ببرشلونة، فقد اقترن وصوله لاعباً لبرشلونة مع شلال هادر من الألقاب المحلية، لكن البصمة الرائعة، والتي سترسخ كرويف في ذاكرة برشلونة هي مجيئه مدرباً، إذ سيبدع في هندسة منظومة لعب مؤسسة على ما كان هو رمزاً له مع أياكس ومع منتخب الطواحين، كرة القدم الشاملة التي تتقاطع فيها الواجبات الدفاعية والهجومية من أجل الانتصار للإبداع للفرجة ولجمالية الأداء الذي لا يتجمل إلا بالأهداف.

وبفضل تشكيلة منتقاة من لاعبين من ذوي المهارات العالية، سيقود كرويف برشلونة للفوز لأول مرة في تاريخه بكأس أبطال أوروبا، ليس هذا فقط، بل إنه سيضع لبرشلونة الهوية التكتيكية التي ستصبح مع توالي السنوات الأكثر ذيوعاً والأكثر محاكاة في العالم ،بل والأكثر قدرة على مواجهة كل المضادات.

وبرغم أن كرويف أنهى مشواره كمدرب بنفس الطريقة التي أسدل بها الستار على مشواره الدولي مع الطواحين، فإنه سيظل الأب الروحي لبرشلونة، لم يكن يكفيه أن يوضع في المتحف كغيره من الأساطير الذين تعاقبوا على النادي الكاتالوني، بل واصل بشغف كبير تصميم فقرات جديدة من فلسفة اللعب، ليكشف مع بداية الألفية الثالثة عن منظومة لعب ستغير مجرى التاريخ التكتيكي، فقد كانت الحاجة ماسة لأن تعود برشلونة لتتسيد القارة العجوز، فتفتقت عبقرية كرويف عما سيعرف لاحقاً بالتيكي تاكا، منظومة جرى تلقينها في لاماسيا، حيث كان يخضع كل من ميسي وكزافي وإنييستا وغيرهم لتكوين أكاديمي على أدوات هذا النهج الثوري المستوحى من الكرة الشاملة.

وعندما خرج كل هؤلاء من رحم لاماسيا، كانت برشلونة تعلن للعالم أن هناك لغة تكتيكية ستوحد العالم، وستكسر كل الحاجز، والبقية تعرفونها طبعاً، فما حققته برشلونة منذ عشر سنوات من ألقاب شيء يفوق الخيال، وما تنشقته التيكي تاكا من هواء نفخه فيها كرويف جعلها تصمد في وجه الكثير من الأعاصير التكتيكية والأساليب الهدامة، فكيف لا يكون حزن برشلونة كبيراً على موت من كان يمثل لها الفيلسوف والقائد والمنقذ من حالات الاحتباس؟

وكيف لا تحزن كرة القدم على موت كرويف المايسترو والفنان والعبقري؟

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا