• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

ماذا تبقّى من البنيويّة؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 أبريل 2016

كان رولان بارث قد نبّه عند نهاية الستينيات من القرن الماضي، والبنيوية ما زالت في أبهى عهود ازدهارها، إلى أن هذه الحركة لا تقتصر على التأكيد بأن العالم والثقافات والنصوص بنيات، وأن قضية البنيوية، على رغم ما قد يتبادر إلى الذهن أول مرة، ليست هي البنية وما تثيره من إشكالات، إذ «لا يكفينا الحديث عن بنيات النصوص لكي نكون بنيويين (...) وإلا فستكون البنيوية عريقة في القدم: فكون العالم بنية، وكون الأشياء والحضارات بنيات، هذا أمر عرفناه منذ زمن بعيد، أما الجديد فهو التمكّن من الخلخلة».

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن يصرف أحد أعمدة «الحركة» البنيوية ذهننا عن مفهوم البنية في تحديده للبنيوية، وألا ينظر إلى البنيوية في مكوِّناتها مفضِّلاً الاهتمام بمفعولها. إلا أن هدفه، على ما يبدو، هو أن يثير انتباهنا إلى أن ما ميّز تلك الحركة، التي لم تقتصر على مجال الأدب والفلسفة، والتي امتدت لتطال ميادين الدراسات الإبيستمولوجية والأنثربولوجية والتاريخية، هو إعادة النظر في مجالات بحث متنوعة وخلخلة ركائزها الفلسفية ودعاماتها الإبستمولوجية. معنى ذلك أن البنيوية في نظره لم تكن مجرد منهج جديد يعيد النظر في مناهج تلك الدراسات، وإنما كانت تحوّلاً استراتيجياً في تناول الموضوع الإنساني، حتى لا نقول إنها كانت «موقفاً» فلسفياً مغايراً، وقد تجلت تلك المغايرة فيما تميَّز به ذلك الموقف من قوة خلخلة اتخذت أسماء متنوعة كالحفر والتقويض والتفكيك، وعملت أساساً على إعادة النظر في المفهوم الذي كرسته أكثر الفلسفات ثورية عن «النقد».

ما أثار اهتمام بارث إذاً هو الجرأة النقدية التي تمخضت عن ظهور هاته الحركة، التي لم تعمل فحسب على زرع نفَس جديد فيما كان يسمى تاريخاً للأدب، أو ما كان يسمى «نقداً» أدبياً، وإنما أعادت النظر في مفهوم الكتابة ذاته، وما يصطحبه من مفهومات كالنص والمؤلف والقارئ والعتبة، ومكنت أكثر الفلسفات إيماناً بالسلب والجدل والتناقض، من أن تعيد النظر في «ثوابتها»، ولعل أهم تلك الثوابت هو مفهوم الجدل نفسه، وما يحيط به من مفهومات كالسلب، والتناقض والاختلاف، ويكفي أن نتذكر هنا أسماء لوي ألتوسير ولوسيان غولدمان وموريس غودوليي ونيكوس بولانتزاس ولوسيان سوباغ، كي نستعيد الجدالات الثرية التي لم تقتصر خلال الستينيات من القرن الماضي على مفهومات النص والمؤلف والقارئ والبنية السطحية والعميقة والمعنى الأولي والثانوي، وإنما امتدت إلى مفهومات المنظومة والتناقض والنشأة.

لقد عمل كل هؤلاء المفكرين، وعبر زوايا مختلفة، على «نزع» السيادة عن التصور الدياكروني، تخفيفاً لما أحيط بمفهوم الزمان التاريخي من تقديس، كما حاولوا فضح الأشكال المقنّعة التي كانت تتخذها فلسفات الكوجيطو لتحتمي بالكتابة الأدبية والاستمرار الزمني، ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد الجدال الذي دار بين ليڤي-ستراوس وسارتر حول مسألة التاريخ، وذاك الذي جرى بين فوكو وجماعة الإبستمولوجيين حول مسألة القطائع التاريخية، أو ذاك الذي طبع الستينيات من القرن الماضي بصفة أعم حول الأسئلة التي أثيرت بصدد الثنائي: التكوين/ البنية Genèse/structure

على ضوء ذلك سرعان ما تبيَّن البنيويون قصورَ مفهوم البنية ذاته، بل «فقره» الأنطولوجي، ولعل ذلك هو ما دعاهم إلى اللجوء إلى مفهوم يحل محله ويوسّع حمولته من غير أن يفقد تلك القدرة على الخلخلة وفك البناءات: ذاك هو مفهوم الاختلاف. ولا ينبغي أن ننسى أن هذا «مفهوم» الاختلاف هذا، كان قد برز مواكباً لمفهوم البنية ذاته، وذلك منذ البداية وعند «مؤسس» البنيوية في مجال اللسانيات فردناند دو سوسور، وكلنا يذكر تلك العبارة التي كنا نلفيها عند أصحاب اللسانيات أو السيميولوجيا أو الأنثربولوجيا أو الإبستمولوجيا على السواء، والتي تؤكد أن «البنيوية تبدأ عندما نؤكد أن مجموعات متباينة يمكن أن تتقارب فيما بينها، لا على الرغم من اختلافاتها، بل بفضل تلك الاختلافات».

لعل هذا هو ما جعلنا نجد أنفسنا، بعد «ضجة» البنية، أمام المفكرين أنفسهم ولكن تحت اسم آخر هذه المرة هو «مفكرو الاختلاف». حاول هؤلاء، كل في مجاله: سواء مع بارث في ميدان السيميولوجيا الأدبية، أو مع ليڤي-ستراوس في مجال الأنثربولوجيا، أو مع آلتوسير وجماعته في ميدان الأبحاث الماركسية، أو مع ميشيل فوكو في مجال تاريخ المعرفة، أو مع دريدا ودولوز في ميدان تاريخ الفلسفة.... لقد حاول جميع هؤلاء أن يفتحوا الفكر على مزيد من «قوة الخلخلة».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف