• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

يافا.. دارة القمر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 أبريل 2016

لينا أبو بكر

على فكرة ! أنت في لندن، رغم أنك لست كذلك، لأن لندن لا تسمح لك أن تنفرد بها وحدك، فهي تسرقك منها كلما توغلت في تفاصيلها وأحيائها أكثر، ورغم أنها غربتك فإن غرباءها هم أبناء وطنك، وشوارعها التي تتمطى كتماسيح مسجاة بردائها الحرشفي الغليظ، متأهبة للانقضاض على المدينة في أية لحظة، هي ذاتها – يا للمفارقة – تفتح لك كل المنافذ لتعبر إلى ما وراء الحدود وتجتاز السياج الشائك بينك وبينها وحيداً وسط زحامها محتشداً بفراغك على طريقة بودلير، فباريس لا تختلف كثيراً عن لندن، كلاهما مرآة واحدة لوجهي القصيدة الشريرة التي ترى أن التمتع بالزحام فن، وإدراك هذه المتعة لا يتحقق سوى بالعزلة لأنها وحدها قادرة على حشدك بكل هذا الاكتظاظ.

امشِ إذن، فالمدينة ستحسن تدريبك على ثقافة المشي، وربما تعثر على وطنك في هذا المهجر، لأنك كغريب تبدو حفاراً للجحيم «أينما كنت، احفر عميقاً»، هكذا فعل نيتشه وهو يرى في الرحلة جسراً إلى الينبوع السفلي: المصير.

وطن الرائحة

للمكان رائحة أهلي وحنيني.. للمكان رائحة صباحات ربة المائدة: أمي ورضاب قهوتها الحنون، للمكان رائحة حوش جدي تنبعث من حبات رمان خبيئة في صندوق الغواية، وحين تقترب أكثر تشم عبق حكاية معتقة بعطر النعناع الريفي، وريق البرتقال منثالاً من فم المطر الذي يداعب بساتين القمر في مرآة (يوبا) ابنة الآلهة، ورويداً رويداً يعصر البيارات من شفاه الغيم.. فهنيئاً مريئاً يا بلادي!

الرائحة فلسفة، إحالة وجدانية إلى حالة عاطفية مرتبطة بنوستالجيا تحتفظ بإشارات طوبولوجية تشكل وعيك الهندسي للحنين، تماماً كما في دارة القمر «يافا»، هذا الحيز الفلسطيني بطقسه وسماته واسمه ولغته ورائحته، يوفر لك صفات الوطن فيعينك على غربتك واستعادة ما تفتقد إليه أو تفقده فيها، لتكتشف به تطرف النقيضين: الفقد والاستعادة، في ذات الوقت الذي يندغمان في لحظة زمنية واحدة يتشظى ضمنها المكان إلى ما وراءين: الذاكرة والمخيلة، فيستجمع قوة الفراغ من مساحات مُضمرة تلتحم فيها الفضاءات وتتقاطع الأمكنة بلا فواصل جغرافية لتتحول إلى بوصلة جيولوجية تدير الأرض نحو مصادفة بحتة تصل بك دون موعد إلى ركن الوطن، فيا مرحباً بيافا! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف