• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

كان واحداً من فرسان الوهم النبيل

جورج طرابيشي.. المختلف الحقيقي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 أبريل 2016

حنا عبود

ظعن جورج طرابيشي عن هذا العالم، وترك خلفه ما يخبر عنه وعن مواقفه كما كانت الأطلال تخبر عن سعدى وسلمى وسعاد وأم أوفى... وما الأطلال سوى معالم لم تعد تسكن ولا تستعمل، وهل ما تركه جورج غير ذلك؟ بل الأقسى في معاناته النضالية أنه وهو في الحياة لم ير شيئاً مما كتب واقترح يؤخذ به، كما قال لنا يوماً بأن المثقف في العالم المقهور يغني في الطاحون، لا يسمعه أحد سوى نفسه. وهو لا يقصد بهذا أي موقف عبثي من النضال الفكري في العالم الشرقي، بل يأسى لأن السلطة في هذا العالم المنكود مصنّعة، ما يجعلها تعتمد ما لا يشجع تداول الفكر الحرّ. لكنه كان يؤمن كثيراً بسلطة الثقافة والأدب والفن، باعتبارها السلطة الأنقى والأكمل والأعمق... وإنْ كانت تعمل على الموجات الطويلة. ولم يفقد أمله في كل الظروف التي مرّ بها أو مرّت به.

كان جورج يعي كل الوعي واقع ما يعيشه الشرق، ويرى أن المشكلة في السلطة والإدارة وليس في الفكر، فالفكر في رأيه مسيّر من السلطة وليس مخيّراً، فلم يعرف هذا الشرق مفكراً اعتلى السلطة وبات مسؤولاً عما يجري، على عكس صديقه اللدود محمد عابد الجابري الذي كان يرى العلة في الفكر المشرقي، ولكن لهذا حديثاً لاحقاً، فلنرجئه الآن.

كان له نشاطه الخاص المتميز. أمضى في الدراسة الجامعية خمس سنوات، من غير أن يأتي إلى الدروس ولو مرة واحدة، فقد أسندت إليه مهام في الصحافة، وكان وهو يعمل في الصحافة يقوم بالترجمة، وكان وهو يقوم بالترجمة يؤلف ويبدع، وكان وهو يؤلف ويبدع يشارك في التظاهرات الطلابية، خاصة ضد الحركة الانفصالية التي فصمت عرى الوحدة بين سوريا ومصر.

في الجامعة كان يبذّنا جميعاً ويتقدّمنا في كل شيء، إلا في السن، فقد كان الأصغر سناً منا جميعاً: كان يتقدمنا في اللغات (قال ذات مرة: قبل الفطام كنت أتقن الفرنسية) وفي النشاط السياسي وفي الأدب وفي الفن وفي الفلسفة وفي نظرية الجمال وفي علم النفس... وكان من أوائل الذين أدخلوا الفرويدية والوجودية والهيغلية إلى بلاد الشام بترجماته التي لا تكاد تحصى... كان كتلة نارية من النشاط المحموم. سبقنا في التعمق والدراسة إلى الوجودية والفرويدية والماركسية والحداثة، فكان رائدنا في هذه المجالات، وإنْ كان معظمنا انخرط في النشاط السياسي، وقلة اتبعت النشاط الثقافي والفكري الذي ارتاده جورج طرابيشي. كنا نتوقع أن يكون عبد الرزاق أيوب تالياً لجورج (كنا نتهامس ونسميه فيما بيننا «عبد الرَّق أيوب» أي عبد الكتاب، فلم يُر في الجامعة إلا متأبطاً كتاباً) لكنه آثر السياسة، أو جرفته السياسة، وأيضاً أصابتنا الخيبة فيما توقعناه له.

وأيضاً سبقنا جورج إلى العالم الغربي. كنا نجاريه في معرفة الغرب من خلال الكتب والمجلات والصحف والإذاعات. وهي معرفة تختلف كثيراً عن معرفة من يعيش في قلب الغرب. ذهب جورج إلى الغرب وهو في سن النضج والوعي الثقافي الشمولي. وفي الغرب لم يغيّر مواقفه، لا من الفكر الشرقي ولا من الفكر الغربي، ولا من الرجعية العربية، ولا من الاتجاه المغربي للحط من مساهمة المشرق في الفكر العربي، ولا من المذاهب والمدارس الأدبية، وإنْ مال إلى الفرويدية كثيراً، وكان من أوائل من اعتمد التحليل النفسي في دراسة الأدب، وليس إسهامه في ذلك قليلاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف