• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

تهيمن على العالم وتنذر بتحوّل أنثروبولوجي عميق

بول فيريليو.. السرعة تلتهم الزمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 أبريل 2016

العادل خضر

يعدّ بول فيريليوPaul Virilio (ولد 1932) آخر كبار المفكّرين الفرنسيّين بعد رحيل فوكو ودريدا وريكور. ولكنّه لم يبلغ درجة النّجوميّة الّتي بلغوها. ورغم ذلك كان معروفاً وذائع الفكر في زمانهم. فهو رفيق درب إيريك رومر Rohmer (مخرج سينمائي، وأحد رموز الموجة الجديدة في السينما الفرنسيّة) وغواتاري، ودولوز، وجون بودريار، وليوتار، وإيفان إليتش Ivan Illitch وآخرون. يجمع في فكره معارف وعلوم شتّى تتراوح بين علم العمران والفلسفة، والاقتصاد والسّياسة.

فيريليو في الأصل مهندس معماري urbaniste، إلاّ أنّه من فرط تأمّله في السّرعة وتأثيرها في الفضاء والحياة والسّياسة، أصبح عالم اجتماع وفيلسوفاً من الطّراز الأوّل، واختصاصيّاً في المسائل الإستراتيجيّة المتعلّقة بالتّكنولوجيّات الجديدة. فهو منذ أربعين سنة، يفكّك ويلطّف النّظر في مسألة السّرعة إلى حدّ أنّه تمكّن من تأسيس حقل من التّفكير النّوعيّ في تلك المسائل الّتي ظلّت طويلاً تعتبر هامشيّة قبل أن تصبح إشكالات مركزيّة في زمن التّنقّل السّريع والتّواصل الفوريّ. هذا الحقل أطلق عليه اسم «درومولوجيا» dromologie، وهو لفظ قد نحته فيريليو ليحدّد به مجال دراسته الّذي يعني تقريباً بـ «علم السّباق» إلى الأمام. هذا المجال المهمل يرمي إلى فهم الإنسان الجديد (إنسان النّصف الثّاني من القرن العشرين) من خلال العلاقات الّتي يعقدها مع الزّمن، لا من منظور المدّة كما كان يدرس من قبل، وإنّما من زاوية السّرعة. فما الّذي يجعل «الدّرومولوجيا» ضروريّة في فهم ما آل إليه الإنسان؟ هل نعتبر سباق الإنسان المجنون ليتنقّل أسرع فأسرع مجرّد نزوة أم هي منبئة بتحوّل أنتروبولوجيّ عميق؟ فبعد أن ساءل فلاسفة القرن الماضي جوهر التّقنية على غرار هيدغر، يرى فيريليو أنّه قد آن الأوان للالتفات إلى جوهر السّرعة، لتقييم فعلها وأثرها في البيئة وانعكاساتها العميقة في رؤيتنا للعالم بالمعنى المادّيّ للكلمة (نظرة) أو بالمعنى المجازيّ (تمثيل). ويبدو أنّ الثورات العلمية وراء هذا التّحوّل الأنثروبولوجيّ. فاختراع المحرّك المتفجّر والهاتف، أي التّنقّل السّريع من مكان إلى آخر، والاتّصال الفوريّ، قد مثّلا أصل انبثاق ظاهرة السّرعة وتحوّلها إلى موضوع للتّأمّل الفلسفيّ جدير بالعناية والاهتمام.

نظرة رؤيوية

كتب فيريليو مقالات عدة ذات صبغة رؤيويّة في موضوعي السّرعة والتّقنية. فمنذ كتابه الأوّل (السّرعة والسّياسة، مقالة في الدّرومولوجيا dromologie) الصّادر سنة 1977، ما فتئ بول فيريليو يفكّر في سرعة العالم وتبعاته واستتباعاته على الإنسان والاقتصاد والبيئة والجيوسياسة. فهو يربط المجال بالتّكنولوجيّات الّتي تسمح باستجلائه وعبوره ومراقبته. فالقطار السّريع TGV، والإنترنت، والطّائرة والمينتال، وكلّ التّكنولوجيات المتخصّصة في التّواصل وجميع تقنيات التّنقّل، تسهم متضافرة في التّعريف بالمجال بوصفه فضاء – زمان ما فتئ يتضاءل ويصغر. لقد فاجأ فيريليو العالم منذ عشرين عاماً لمّا دان هيمنة السّرعة، مناهضاً قواها الهائلة الّتي تدمّر اندماجنا في الفضاء والزّمان، محذّراً الرّأي العامّ من مخاطر السّرعة الّتي بدأت تزيّف طرائق تمثيلنا للعالم. لم تعش المجتمعات القديمة ما نعيشه اليوم من إفراط عظيم في السّرعة. فقد تقلّص العالم حتّى غدا مثل لا شيء، فلم يعد كبيراً كما كان من قبل، من فرط سرعة البثّ الّتي صارت تفوق سرعة الصّوت supersonique. ولا يتعلّق الأمر بالاعتقاد في نهاية العالم ولا بالقيامة، وإنّما بالاعتقاد في كوننا صرنا تلك الفرادة المطلقة. ولأجل ذلك صرنا نحتاج إلى رؤية كاشفة révélationnaire لا إلى رؤية ثوريّة révolutionnaire. فكيف يمكن بلوغ هذه الرّؤية؟

ممثلة المطلق النهائي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف