• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

نحن نقول إن الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة.. وهذا حق لكن الحياة أيضاً حقيقة مؤكدة.. ومعنى ذلك أن الذهنية العربية ترى أن الموت حقيقة والحياة وهم

تبّاً للبلاهة.. وما تلاها!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 أبريل 2016

محمد أبو كريشة*

المزاجية العربية أو الثقافة العربية، كما قُلنا مزاجية وثقافة موت، وبالتالي هي ثقافة حزن وكآبة وعبوس وتجهم.. والوقار في الذهنية العربية مرتبط بالعبوس والهيبة مرتبطة بالتجهم، وفي المقابل فإن طلاقة الوجه والتبسط والمرح أمور مرتبطة بالابتذال والترخص والوضاعة. ولا يحصل على النجومية والتكريم في أمتنا إلا الموتى، أي أن نجوميتنا أيضاً نجومية موت، حيث يبقى الناس عندنا نكرات إلى أن يموتوا وعندئذ يتحولون إلى معارف. والغيبة في الثقافة العربية محرمة ضد الموتى، لكنها مباحة ضد الأحياء. فنحن نذكر محاسن موتانا ولا نذكر محاسن الأحياء، بل نخترع لهم مساوئ. فنحن نكافئ المرء لأنه مات، ونعاقب المرء لأنه ما زال على قيد الحياة. والقرآن الكريم في الذهنية العربية ثم اختزاله وتحويله إلى كتاب موتى، فهو مرتبط عندنا بالموت والحداد والحزن، ونزعنا منه الارتباط بالحياة والسرور والسعادة. وآيات القرآن الكريم تتلى في معظم الدول العربية وبالتحديد مصر في سرادقات العزاء والمآتم وعلى القبور. لكنها لا تتلى في الأفراح وحفلات الزفاف، لأن القرآن عند العرب كتاب حزن وموت وليس كتاب فرح وسعادة وسرور.

ونحن نقول إن الموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة، وهذا حق لكن الحياة أيضاً حقيقة مؤكدة. ومعنى ذلك أن الذهنية العربية ترى أن الموت حقيقة والحياة وهم. والمرء يجب أن يتحرر من الوهم ليذهب إلى الحقيقة، وكان الأحرى أن يُقال إن الله عز وجل خالق الموت والحياة هو الحق المطلق. ونحن العرب نذكر ونشكر من وقف معنا في الموت والحزن والشدة، ولا نذكر ولا نشكر من وقف معنا في الفرح والحياة والميلاد والرخاء. ويقول شاعرنا القديم.

جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ..... عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

وتقول العرب: من الممكن أن ينسى المرء من ضحك معه، لكنه لا يمكن أن ينسى من بكى معه. فلا قيمة عندنا لمن يضحك معك، ولكن القيمة كلها لمن يبكي معك. ونحن نذهب للتعزية بلا دعوة لأن أهل الميت يغضبون إذا لم تذهب لتعزيتهم. ولكننا لا تذهب إلى الفرح إلا بدعوة لأن أصحاب الفرح لا يزعجهم ولا يغضبهم ألا تأتي إلى فرحهم.. وقد عبر أمير الشعراء أحمد شوقي أصدق تعبير لا عن الحقيقة، ولكن عن الذهنية العربية أو التركيبة النفسية العربية حين قال:

ومَهْدُ المرءِ في أَيدي الروَاقي

كنعش المرءِ بينَ النائحات ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا