• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

يريد المؤيدون لـ«بريكست» و«الترامبية» العودة بنا إلى عالم من القوميات التي يعيش فيها الجميع لأنفسهم، والتي ساعدت على تعزيز حربين عالميتين

«بريكست» و«الترامبية».. مكامن الخطر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 05 مارس 2017

توماس فريدمان *

من السيئ للغاية أن «الديمقراطيين» لن يستخدموا أجنبياً لتقديم ردهم على خطاب ترامب أمام الكونجرس. فقد كان بإمكانهم إعادة خطاب ألقاه رئيس وزراء بريطانيا السابق «توني بلير» قبل 11 يوماً. فقد كان هذا الخطاب بمثابة مناشدة عاطفية لبلاده لرفض نسختها من «الترامبية» (الأفكار والآراء والنظرية السياسية لدونالد ترامب). وقال بلير، إن المملكة المتحدة يجب عليها إعادة النظر في «بريكست»، التصويت على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والذي نجح بفارق ضئيل عام 2016. إنه خطاب يستحق القراءة نظراً لأوجه التشابه العميقة بين «بريكست» و«الترامبية»، التي تسعى في جوهرها، إلى تقويض النظم الكبيرة التي أحدثت استقراراً في العالم ونشرت الرخاء والأمن وسيادة القانون والديمقراطية والانفتاح بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهذه النظم هي الاتحاد الأوروبي والنظام التجاري العالمي واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا» و«الناتو» والأمم المتحدة والاتفاقية المقترحة للتجارة والشراكة عبر المحيط الهادئ. ويدعو «بريكست» و«الترامبية» إلى التخلي أو تقليص كل هذه النظم لصالح القومية الاقتصادية التي من شأنها أن تجعل بريطانيا وأميركا أفضل حالاً. إن اللعب مع هذه الأنظمة الكبيرة أمر خطير، ليس لأنها ليست بحاجة إلى تطوير - لأنها كذلك - ولكن لأن العديد من الوصفات ستجعل الأمور أسوأ بكثير بالنسبة لعدد كبير من الناس. وهناك الكثير من النقاد يشيرون إلى عيوب هذه الأنظمة، لكنهم دائماً ينسون ذكر مئات الملايين من الناس الذين انتشلتهم هذه الأنظمة من الفقر إلى الازدهار، علاوة على الحفاظ على السلام طوال 70 عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويريد المؤيدون لـ«بريكست» و«الترامبية» العودة بنا إلى عالم من القوميات التي يعيش فيها الجميع لأنفسهم، والتي ساعدت على تعزيز حربين عالميتين. وهم يتحدثون عن «الحركات» الكبيرة الرائدة. وتعهدهم هو «أن تمزقه ولا تصلحه». وكما أشار بلير، فإنه «من الخواص السياسية التي لا تقبل الجدل اليوم هي النزوع للثورة».

هذا هراء خطير. ففي حقبة الحرب الباردة، كان العالم مرتبطاً معاً بفعل هذه المؤسسات العالمية، وبفعل الخوف والانضباط للقوتين العظميين. كان هذا جزءاً كبيراً من خطاب بلير. وهذا الرجل لا يحظى بشعبية في المملكة المتحدة، ولكن هذا تحديداً ما جعله حراً ليقول ما يعرف الكثيرون في السياسة البريطانية أنه صحيح، لكنهم لن يقولوا ذلك: هذا أن «بريكست» كان فكرة حمقاء، تستند على خيال سياسي قديم لأقلية من «المحافظين»، وقد تم ترويجه مع بيانات وهمية وما سيلي هو جعل بريطانيا أكثر فقراً وضعفاً وانعزالية - ويجعل أوروبا غير مستقرة بدرجة أكبر. وأشار بلير إلى أن «الجنيه الإسترليني انخفض بنسبة 12% مقابل اليورو وبنسبة 20% مقابل الدولار منذ استفتاء بريكست». وقال «هذا هو تقييم السوق المالي الدولي لازدهارنا في المستقبل: سنكون أكثر فقراً. لقد ارتفعت أسعار السلع المستوردة في محلات السوبر ماركت، وبهذا ارتفعت تكلفة المعيشة». إن الطريقة التي وصف بها بلير التزام رئيسة الوزراء «تيريزا ماي» بتنفيذ بريكست بدت تماما كدعم قادة الحزب «الجمهوري» لأفكار ترامب بعد شجبها ووصفها بأنها معتوهة أثناء الحملة الرئاسية. «قبل تسعة أشهر»، بحسب ما قال بلير عن ماي «كانت تخبرنا بأن المغادرة ستكون سيئة بالنسبة للبلاد واقتصادها وأمنها ومكانتها في العالم. واليوم، تبدو أنها فرصة تأتي مرة واحدة في الجيل لتحقيق العظمة». وأضاف بلير: «ماي تقول إنها تريد بريطانيا دولةً عظيمة ومفتوحة للتبادل التجاري. فما أول خطوة في هذا المسعى؟ أن نترك أكبر كتلة للتجارة الحرة في العالم. إنها تريد بريطانيا أن تكون جسراً بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فهل عدم ترك موطئ قدم في أوروبا هو الطريقة للقيام بذلك؟»، وقيل لنا إن الوقت قد حان لأن تصبح رأسماليتنا أكثر عدلاً. فكيف لنا أن نبدأ في إرساء مثل هذا الهدف النبيل؟ هل بتهديد أوروبا بالانتقال إلى الضرائب المخفضة والاقتصاد المنظم تنظيماً طفيفاً، الأمر الذي على النقيض تماماً من هذا الهدف«. وكما قال بلير عن الاتحاد الأوروبي: «على المدى الطويل، فإن هذا في الأساس تحالف للقيم: الحرية والديمقراطية وسيادة القانون. وفيما يتغير العالم وينفتح عبر الحدود والثقافات، فأي القيم التي ستحكم القرن ال21؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست واضحة. إن بريطانيا، بسبب تاريخها وتحالفاتها وشخصيتها لديها دور كبير للقيام به». وكذلك الحال مع أميركا. بيد أن انتشار هذه القيم لا يشجع ترامب. فالعالم بالنسبة له هو حيازة إما أن تفوز بها أو تخسرها. وعلى المدى القريب، ربما يراكم بعض المكاسب المنفردة. لكن أميركا أصبحت مزدهرة وآمنة كما هي عليه اليوم من خلال بناء عالم يشبهنا - وليس مجرد عالم نكون فيه الفائزين.

*كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا