• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

مفكرات يناضلن بقوة من أجل عالم متعدد الثقافات وأنسنة الفضاء العالمي

نقض النظرية المركزية الأوروبية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 فبراير 2013

مفيد نجم

طالما ظل إنتاج الفكر الفلسفي حكراً على الفلاسفة الرجال، لكنه بعد توسع مساهمة المرأة في الحياة الفكرية والثقافية، أصبحت المرأة قادرة على أن تعبر الهامش الثقافي نحو المركز، من خلال مساهمتها المميزة في الحياة الفكرية والسياسية، ولم يكن هذا الحضور الفاعل مجرد نقض لمبدأ مركزية الرجل في الحياة الفكرية والفلسفية، بل تجاوزها إلى نقض مجمل المفاهيم والطروحات التي قدمتها تلك الفلسفة سعياً وراء إيجاد عالم متعدد الثقافات والهويات يتسع لكل الأصوات والإسهامات والرؤى الإنسانية. ولعل كتاب نقض مركزية المركز الذي ساهمت في كتابته نخبة من رائدات الفكر والفلسفة النسوية هو خير مثال على طبيعة هذا التحول، ومضمونه الإنساني المتحرر من إرث الفكر الذكوري الغربي، والمنفتح على ثقافات شعوب العالم المختلفة. وإذا كانت فلسفة ما بعد الحداثة قد جاءت لتشكل نقضاً لمركزية العقل في مشروع الحداثة من قبل الفلاسفة الرجال الغربيين، فإن رائدات الفلسفة النسوية، قد عملن من خلال رؤية نقدية متقدمة على نقض تلك المركزية الثقافية الغربية من أجل الاعتراف بثقافات الشعوب والأمم الأخرى وحقها في احتلال موقعها في المشهد الثقافي الإنساني، ما يكشف عن البعد الإنساني في تلك الفلسفة، كما يتجلى ذلك في عنوان الفصل الأول من الكتاب، الذي يبحث في عولمة الأخلاقيات النسوية.

من المعروف أن الحركة النسوية تتألف من مجموعة من التيارات النسوية، لكنهن جميعاً يتفقن حول مجموعة من الأهداف والرؤى والأفكار التي تتجاوز الموضوع النسوي الخاص إلى المجال الثقافي الإنساني العام، وفي المقدمة منه موضوع التعدد الثقافي. في هذا الكتاب، الذي شاركت في تأليفه سبع عشرة كاتبة من أهم ممثلات الفكر والفلسفة النسوية في القارتين الأميركيتين، يتضح البحث الفلسفي المنهجي الدقيق من خلال ما يتضمنه من مفاهيم دقيقة وتحليلات استراتيجية خطابية وواقعية، تسعى لاستيعاب التعددية الثقافية والقضاء على المركزية الغربية «الاستعمارية»، وإبراز القيم الإيجابية والفاعلة؛ بهدف توظيفها لأجل تصفية مرتكزات الفكر الاستعماري والعنصرية. يبحث الكتاب في قضايا مختلفة تتعلق بحقوق الإنسان ومعوقات الديمقراطية ومشكلات اللغة القومية والهوية والغيرية، واختلاف الثقافات، والاتجاهات الأصولية الصاعدة في مناطق الجنوب، إلى جانب قضايا التنمية المستدامة والبيئة، وطبيعة التقدم العلمي والإنساني، والبحث الإبستمولوجي، لكن الأهم من كل هذا أن هذه الفلسفة النسوية تحاول أن تقدم نفسها بوصفها حواراً بين سائر الثقافات التي يتألف منها عالم اليوم. ولعل اللافت في هذه الفلسفة هو أنها قدمت نفسها باعتبارها مناهج في البحث وطريقة للنظر أكثر منها مذاهب مكتملة الحقائق، إضافة إلى ما تتمتع به من رؤية وجهد جماعيين، وابتعاد عن المطلق والمجرد والذهني الخالص.

تذهب الفلسفة النسوية في أطروحاتها نحو نقض الفلسفة الغربية، كما تبدت في محاولتها تقديم نفسها من خلال أسس تتميز بالثبات، ويصعب الشك فيها لتأكيد مشروعيتها، في حين أن الفلسفة النسوية تحاول في الفصل الأول من الكتاب أن تقوم بتفكيك النزعة الأسسية في فلسفة الأخلاق الباحثة عن أسس ثابتة عمومية لتبرير أحكامها الأخلاقية ليس بهدف نقضها وحسب، وإنما بهدف استيعاب الأعراف الثقافية والمعايير المحلية المختلفة. وتتجاوز الفلسفة النسوية في طروحاتها الجديدة مجال فلسفة الأخلاق، إلى النزعة الأسسية في فلسفة العلوم والإبستيمولوجيا ومحاولاتها تبرير المعرفة التي تقدمها باعتبارها حقائق حاسمة لازمة. تطرح الفلسفة النسوية بالمقابل، انطلاقاً من اعتبارها أن العلم هو بناء اجتماعي ثقافي، وأنه يبقى دائماً محملاً بالقيم والأهداف الاجتماعية، ضرورة أن يكون العلم ديمقراطياً قابلاً للتعددية الثقافية والاعتراف بالآخر، الأمر الذي يفسر معنى استبدال مصطلح الأحادية «فلسفة العلوم» بالمصطلح الدال على التعددية «فلسفات العلم».

ويبين الكتاب أن هذه الملامح الجديدة لفلسفة العلم تتكامل مع الرؤية التي تقدمها إحدى رائدات فلسفة العلم المعاصرات ساندرا هاردنج القائمة على أسس اجتماعية وحضارية واقعية. كذلك تبحث الفلسفة النسوية في هذا الكتاب، من خلال رؤية تحليلية، في استكشاف أبعاد التفاعل القائمة بين مقولات ثلاث، هي: الجنوسة والبيئة والتنمية المستدامة، حيث تتميز العلاقة بينها بالاتصال الوثيق الذي يصعب معه التفريق بينها، بحيث يساهم ذلك في فضح جرائم التنوير الغربي، كما يتضح ذلك من السؤال الهام الذي تطرحه هاردنج حول حقيقة الأهداف التي تكمن وراء الأموال التي تنفقها وكالات التنمية لدول الشمال في دول الجنوب، وهو ما يتضح من خلال إدانة الفيلسوفة أوفيليا شوته للاستعمار الغربي الذي يتخذ من تلك المساعدات وسيلة لمتابعة المد الاستعماري الغربي بوسائل حديثة. بالمقابل، تحاول أوفيليا طرح تصوراتها للكيفية التي يمكن من خلال القضاء على ثنائية الأنا - الآخر في أشكال محددة للحوار بين الثقافات المختلفة، أو ما تسميه بالحوار العابر للثقافات. إن تلك الفلسفة لنسوية لا تكتفي بنسف الأسس التي تقوم عليها فلسفة العلوم، بل هي تبحث في الكيفية التي يمكن للمذاهب النسوية بعد الاستعمارية تتبرأ من القوى التاريخية للاستعمارية الغربية، إضافة إلى البحث في النقاط المشتركة التي تجمع بين النسويات في البلدان النامية ونسويات المجتمع الغربي عبر إيجاد طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء، والأهم من كل هذا أن تلك الفلسفة لا تكتفي في طرح الأسئلة، بل تعمل على تقديم إجابات واضحة. وتطرح النسويات مسألة العنصرية باعتبارها مشكلة تتجاوز إطارها الأميركي إلى الإطار العالمي، الأمر الذي يجعل تلك الفلسفة تبحث في جدلية العلاقة القائمة بين المحلي والعالمي على هذا المستوى، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها أن نجعل من المحلي عالميا ومن العالمي محلياً. من هنا تنطلق الفيلسوفة الكندية لورين كود لرسم معالم الطريق نحو التفكير الكوني الشامل لكل الأطراف.

وتبحث شاري ستون مدياتور في كيفية القيام بقراءة سرديات النساء في العلم الثالث قراءة فاعلة أكثر استجابة ومسؤولية، لكنها قبل هذا تشير إلى أن الوعي النسوي الذي واجه رؤى العالم ذات المركزية الذكورية بسرديات خبرة النساء طرح معه مجموعة من الإشكاليات التي يأتي في صدارتها أن الالتجاء إلى الخبرة مشروط بتطبيع مقولات أيديولوجية تتأتى من أن بنية الخبرة النسوية بالنفس وبالعالم قد تشكلت من خلال الممارسات الخطابية، وهي تعيد إنتاج ما يكمن وراء أشكال الخطاب المتاحة من فرضيات حول الهوية والاختلاف والذات المستقلة. إن موهانتي تنشغل أولاً بحياة أولئك النسوة وشهاداتهن بوصفها استجابات إبداعية لتوترات الخبرة المعيشة وتناقضاتها أو ما تسميه شاري ستون بالخبرة التاريخية والعلاقات المتبادلة بين الخبرة والكتابة، ثم تقوم بعد ذلك بإبراز الكيفية التي تجعل هذه السرديات في صدر خطاب الهيمنة باعتبارها تحديات تواجه مخيالاتنا التاريخية.

وتعرض ستون لمواقف الناقدات النسويات اليزابيت ويد وموهانتي التي عملت على بناء سياسات حول خبرة المرأة انطلاقاً من أنه عندما تؤخذ خبرة المرأة كأساس للمصلحة العامة يمكن أن يؤدي ذلك إلى قلب التسلسل الهرمي، ويضع فئة جديدة كموضوع للمعرفة والسياسة. لقد سعت ناقدات أخريات إلى البحث عن وجوه للخبرة أكثر تعبيرا أو ثراء، لكن ستون ترى أن جوهر نظريتها يقوم على أن للأفراد حقائق جوانية مرت بخبرتهم ما يعزز العمليات الأيديولوجية التأسيسية للذاتية، كما يعزز فرضيات صنع خبرة داخل أساس مفترض للمعرفة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا