فن الأحجار الصغيرة المصفوفة

«الفسيفساء» لوحات إبداع تاريخية تسلب الأنظار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 08 فبراير 2011

خولة علي

الفسيفساء أو الموزاييك من الفنون القديمة التي ما زال لها إيقاعها عليها الفني الأنيق لا يقاوم، فبما تحمله هذه الحرفة من إبداع خلاق ومنظم، ظلت صامدة أمام عجلة التقدم والتقنيات الحديثة معبرة عن رفضها التام في أن تترك مكانها للآلات الحديثة، فهي حرفة يدوية لا تزال تقنياتها تدور في فلك المهارة والدقة والصبر وإبداع وبراعة الحرفي الذي يصوغ أفكاره ليحول قطع الأحجار الصغيرة الملونة إلى أشكال ورسومات ونماذج فنية رائعة تحاكي مواضيع مختلفة مستلهمة من التراث تارة والطبيعة تارة أخرى فلا يوجد حدود لها.

الفسيفساء هذه الحرفة الذي ابدع فيها الفنانون القدماء تشهد لهم أعمالهم الكثيرة التي اتشحت بها المباني القديمة لتنطق جدرانها بعبق وأصالة هذا الفن.

الموزاييك

حول هذا الفن يطلعنا عمر عبدالله أحد المهتمين قائلاً: الموزاييك كلمة تعني عند الرومان العمل الفني المتماسك الذي يتكون من أجزاء وقطع من الأحجار الصغيرة رتبت بطريقة فنية متناسقة ذات أشكال حركية تشكل زخرفة هندسية أو نباتية أو إنسانية أو حيوانية تم تثبيتها بخليط معين.

الفسيفساء عبر العصور

يتابع عمر: الفسيفساء فن موروث من الحضارات السابقة، نجد ان الحرفيين المسلمين برعوا فيه منذ بداية من العصر الأموي فتم تطوير تقنياته بين القرن الحادي عشر الميلادي والقرن الواحد والعشرين حتى تفرعت منه تقنيات مختلفة انتقلت من الزخرفة المعمارية إلى زخرفة الأثاث والابواب والشبابيك والصناديق وغيرها من المفردات الأثاث من خلال العديد من التقنيات كالترصيع والتطعيم والمشقف والتعشيق والمصدف والزخارف القشرية والكثير منها.

هذا الفن الذي لم يتوقف عند القصور ودور العبادة التي انفردت به في العصور المنصرمة، ولكنه حضر في الكثير من المساكن والمباني والفنادق وتزينت به المداخل فمنح المكان أصالة وفخامة لا يمكن أن يمر أمامها الزائر مرور الكرام لأنها توقفه مشدودا بها متلذذا بجمال تفاصيل عملها الذي نتج بصبر وودقة ومهارة الفنان.

ويضيف عمر عبدالله: إذا قارنا فن الفسيفساء عند الاغريق نجد قطعهم لم تصنع بطريقة حبات المكعبات المقطعة ولكن تم استخدام أنواع الحصى الطبيعي ذات اللونين الأسود والأبيض والألوان المتوفرة بشكلها وطبيعتها، والتي صنع منها مختلف المواضيع التي تحاكي صور البشر، والحيوانات والأزهار إلى جانب بعض المناظر الأقرب إلى الخيال وما قد يصوره من معتقدات تلك الشعوب من خرافات وأساطير. أما استعمال المكعبات فجاء من الشرق.

تنفيذ الفسيسفاء

حول عملية تنفيذ لوحة الفسيفساء يقول عمر: بداية يتم انتقاء الموضوع أو الصورة المراد تنفيذها والتي يمكن ان تكون مستوحاة من منظر طبيعي حي أو ثقافة تاريخية يستنبط منه الفنان فكرة يحولها إلى لوحة فينة غنية تأخذ مكانها على الجدران أو الأرضيات فتكون بمثابة تحفة تمنح المكان قيمة وأصالة.

ثم يتم رسم الصورة أو الموضوع أي كان على قطعة من الورق وبالحجم والمساحة المطلوبة الذي يحددها المرء، بعد ذلك نبدأ بعملية تقسيم المساحة اللونية من الرسم إلى أجزاء صغيرة وفقا لمجمع القطع المراد رصها من الفسيفساء، بعدها نباشر في رص المكعبات اللونية وفقا لشكل الرسم وتحتاج هذه العملية أثناء قيام الفنان أو الحرفي بوضع أحجار الفسيفساء إلى صقل وقص حتى يتوافق حجمه مع المساحة التي ستوضع فيه هذه القطعة من الحجر الملون ثم تستخدم مواد اللصق والتثبيت كالغراء الأبيض، وأخيرا تتم عملية حصر العمل من خلال وضعه في إطار قوي على أن تكون الرسمة أو الزخرفة في أسفل العمل. ولإكساب هذا العمل المتانة والصلابة المطلوبة، يؤكد عمر: يتم ذلك عبر عمل خليط من الاسمنت والرمل والماء يسكب هذا الخليط على قطع الموزاييك حول الإطار وتترك مدة حتى تجفف تماما وتتصلب، بعد تماسكها جيدا يتم قلب اللوحة ونزع الورق التي تغطيها من خلال مسحها بقطعة قماش مبللة حتى تذوب تماما وتزال، فتظهر اللوحة الفسيفسائية أو الموزاييك ملونة ورائعة ليتم تثبيتها على الجدار في مدخل المنزل او في ردهاته وممراتها ويمكن وضعها في إحدى الأركان الميتة التي يمكن ان تكسبها ثراء وفخامة.

تأطير اللوحة

ويشير قائلاً: لو توقفنا عند كل لوحة نجد انها تتكون من السطح المزخرف والذي يطلق عليه “البساط”، يحدها شريط أو إطار أحيانا يكون معقد الزخرف واحيانا بسيطاً مما يساهم في أبراز العمل ويظهره، ليفصل بين الجدار وحدود اللوحة، أما المساحة المزخرفة تتكون من أشكال هندسية منها ماهي متكررة ومتقابلة ومتوازية وموحدة الشكل الزخرفي أحيانا، وتعد الكتابات أو ما تسمى بالنقوش الفسيفسائية جزءا من زخارف الأرضيات التي نجدها تأخذ مساحة معينة من الداخل تتمركز في منتصفه محصورة ضمن إطارات مختلفة الأشكال مثل المستطيل والمعين والدائرة والمستطيل المزخرف، وتوجد هذه الإطارات دائما مزخرفة بنماذج هندسية متنوعة منها المعين والمربع والدائري والمستطيل. ومن بين هذه الزخارف نجد مجموعة من اللوحات التي تحاكي شخصيات شهيرة، ومنها بعض الزخارف والنقوش النباتية، والحيوانات، رموز وكتابات دينية، الإطارات المزخرفة، وكل ما قد يقع عليه عين الفنان من مشاهد.

خامات العمل

وحول الخامات التي تستخدم في عمل هذا الفن يقول : ما زال هذا الفن له عشاقه من الفنانين الذي يحرصون على الإبداع فيه وتقديم مجموعة زاخرة من الأعمال المشبعة بتفصيل حية ينطق به هذا الفن الجميل، وتستخدم مواد وخامات أخرى تحاكي فن الموزاييك ولكن بصور ومشاهد فنية أخرى تم استحداثها بظهور مواد وأحجار أخرى ومن هذه المواد والخامات الطبيعية التي تستخدم في عمل وإنتاج تفاصيل هذا الفن منها الطين والأحجار والصخور الرخامية الزاخرة بالكثير الأنواع المختلفة من حيث الأحجام والأشكال والألوان مما يمنح الفنان مساحة واسعة في عمل نماذج فنية مختلفة، ونجد ان هذه الصخور والأحجار إنما هي تراكم طبيعي لمواد طبيعية مختلفة والتي منها ما هي مشتقة من الصخور البركانية كالغرانيت والبازلت والكثير غيرها، ومنها ما هي إلا صخور رسوبية وهي مشتقة من ترسبات بقايا الحيوانات والنباتات عبر الزمن وهي بطبيعتها غير متماسكة، والنوع الآخر من الصخور وهي المتحولة التي تكونت بفعل الضغط القوي والحرارة المرتفعة التي تعرضت لها في المكان الذي نشأت فيه من هذه الصخور الكوارتز. إلى جانب الصخور المستخرجة من الكهوف، كما نجد بعض الأعمال التي نفذت بالأحجار الكريمة كالعقيق واللؤلؤ، اللازورد التي تعمل على زيادة قيمتها المادية. كما نجد أيضا استخدام الخامات الزجاجية الملونة والأخشاب والأصداف بطريقة جمالية أيضاً.

فن الخلود

اشتهر فن الفسيسفاء عند الإغريق والرومان الذين أطلقوا عليه “فن الخلود” حيث يستخدم فيه مادة الحجر هذه المادة الخالد عبر التاريخ الطويل، وقد وصف بكونه يهتم بتفاصيل الأشياء ويتعمق فيه، وهو من الفنون القديمة التي اقتبسها المسلمون وساهموا بتطويرها تشهد لهم الكثير من الآثار والمباني القديمة من العالم الإسلامي التي ما زالت تحمل بصمة الفنان المسلم وإبداعه ومهارته.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعتقد بأن تركيا ستضطر للمشاركة على الأرض في معركة العالم ضد "داعش"؟!

نعم
لا
لا أدري