• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م
  03:22     ماكرون يستقبل الحريري في الاليزيه    

مثقفون ليبيون يرسمون جغرافية موقعهم نحو التغيير

وعود العاصفة..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 فبراير 2014

استطلاع: محمد القذافي مسعود *

يبدو السؤال مغرقاً في تقليديته، عن موقع المثقف العربي، مبدعاً وناشطاً، في إطار الحراك الشعبي الذي شهدته بعض البلدان ابتداء من عام 2011، لكن على الرغم من تقليديته لا بد من طرحه.. فهل وقف، ويقف المثقف العربي من هذا الحراك في صفوف المقدمة، أم في منطقة الوسط، أم عند تخوم النهايات؟ هل وجد ضالته الحرية، أم ما زال ضالاً عنها؟ هل تربكه صورة الشارع المفعمة بالسواد، والمثقلة بالضحايا والجراح والآلام، أم أن وعيه أصبح أكثر تفتحاً وثقة بمستقبل زاهر ونام وخصب؟

كل هذه الأسئلة وغيرها، ساقت نفسها أمام مجموعة من الكتّاب والمبدعين الليبيين، الذين واجهت بلادهم تحولاً نوعياً أطاح نظام طغى لأربعة عقود، لكي ينتصب مكانه مشهد ضبابي، محتشداً بعناصر الفتنة والعنف والآمال المتلهفة للسلام والطمأنينة، وحب الحياة فحسب.. وتلك الوعود الباهرة التي تحملها لهم العاصفة على الرغم من قسوتها.. وهنا كانت إجاباتهم..

مواكبة التغيير

يقول الكاتب والشاعر عبدالباسط بوبكر محمد، إن «ثورات الربيع العربي غيرت العديد من المعطيات، ويبدو تأثر الإبداع بها واضحاً وجلياً، نظراً لأن الثورات أفرزت العديد من المفاهيم التي أبرزت مثقفها الجديد.. العديد من الكتاب في ليبيا مثلاً عانوا كثيراً من مواكبة التغيير، على الرغم من أنهم في السابق أي قبل الثورات كانوا من المنظرين لمفهوم التغيير والحداثة، إلا أنهم لم يكونوا على مستوى التغيير.. الثورات قدمت مفاهيم جديدة، وهدمت الكثير من الثوابت والمسلمات، المبدع الذي كان يخاتل الرقيب انتهى، وظهر جيل جديد تربى على قيم التغيير.

أفرزت الثورات العربية العديد من النماذج المبدعة على كافة المستويات، فظهرت صحافة جديدة، وإعلام جديد، وتجارب إبداعية جديدة».

ويرى بوبكر محمد مستقبل الإبداع من زاويتين:

- زاوية التجارب السابقة التي تحتاجُ إلى تقييم بالكامل، والتعامل مع المفاهيم الجديدة بروح جديدة.

- زاوية التجارب الجديدة التي تحتاج إلى الخروج من حالة الثورة إلى حالة التعايش مع التغيير، ورسم مساره الصحيح نحو بناء الدولة.

ويقول: «نحتاجُ مع هذا كله إلى مساحة هائلة من الحرية المتسعة الآن، بعيداً عن الفوضى التي تتسيد المشهد، لنرسم مسار التغيير إبداعياً، لكن مساحة الحرية الموجودة حالياً هي صنو الإبداع وروحه، وهي أيضاً اختباره الحقيقي».

الزلزال والطموح

أما الشاعر عبداللطيف البشكار فيعتبر «أن حدوث هذا الزلزال الكبير في المنطقة العربية كان يعد مطمحا مستحيلا طالما حلم به المبدع الحقيقي، وهو بكل تناقضاته وسلبياته انفجار فوراني، ومحصلة طبيعية للكبت والتكميم الذي لحق بالإبداع في ظل أنظمة ديكتاتورية شمولية ألجمت البوح، بدءاً بمقص الرقيب وعصابات مصادرة الرأي من أجهزة أمنية قمعية كانت جاثمة، ومروراً بالاغتيالات والسجون ووسائل التعذيب البشعة والإعدامات، وحدوثه ضرورة ملحة في حد ذاته أما ما بعده، فهي خطوة أخرى تعتمل فيها صراعات جديدة وتنوع فكري وإبداعي، تجترح مكوناتها وتؤصل ثباتها تبعاً لمقومات كثيرة يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه».

ويضيف: «فكرياً يزدهر الإبداع في ظل مناخات تتمتع بآفاق فسيحة ولا متناهية من الحرية، وهذه الثورات هي إرهاصات مبشرة في بيئات تعاني من أسوأ حالات التخلف بكل مظاهره الفكرية والمادية، لذا لا نستغرب ما سينشأ عن ذلك من صدمات للمبدعين، وعليهم تحمل ذلك والتصدي له بمعرفية سديدة.

وبالنسبة لي أستشرف مستقبلاً أفضل إذا لم تحدث نكسات وتسرق الثورات للعودة من جديد للأنظمة الشمولية المقيتة، ويبقى القلق مسيطراً على أحاسيس المبدعين ما لم تتأطر الكيانات الجديدة وتؤسس السياقات والدساتير التي تضمن للمبدع حقوقه كاملة، كي يمكنه البوح بسلاسة وشفافية يجد فيها ضالته المنشودة لتشع جذوة الإبداع، فالتنوع بكل نقائضه سوف تتولد عنه الصفوة والنخبة المأمولة فكريا متنصلة من كل أدوات الإقصاء الحزبي والطائفي والشمولي والثيوقراطي. وأظن أنه في سنوات قليلة سنحظى بمنجز إبداعي مرموق رغم الإخفاقات التي نشاهدها في الواقع القائم».

ويرى الشاعر الكيلاني عون أن الأسئلة المطروحة تبعث على القلق بعض الشيء، «خاصة أنه يفترض وعياً مسبقاً بحركية الإبداع بدقائقه المحايثة للمتغيرات في المنطقة العربية التي عانت الكثير، بسبب هيمنة الطغيان الفردي والتأويلات الدكتاتورية لكل منجز ثقافي/ اجتماعي. إن مسألة الواقع الإبداعي المرتبطة بالراهن كما فهمتُ على الأقل لا يمكن قراءتها وهي تسير معبِّرةً عن خلاصها ضمن خطابات عديدة تظل مندمجةً ونشوة الانتصار والخلاص من الكبت والقمع، إنها ترتقي تدريجياً بينما ينتظر التوصيف ما تؤول إليه لاحقاً من تضافرات إيقاعية تحاول تأسيس اختلافات وماضي الخطاب الإبداعي.

ويتابع: «لقد عاش المبدع العربي لعقود وهو يختطف لقمته ليحيا أو حتى لينشر نصّاً، وهي تجربة مريرة كممت الكثير من الأصوات وجعلت الإبداع يسقط أحياناً في ممارسة الحذر، خاصة أن مبدعين تعرضوا للقتل بسبب اختلاجاتهم المرّة ومحاولاتهم قول الحقيقة.

ببساطة أعتقد أن مستقبل الإبداع العربي بعد المتغيرات الحديثة سيجد ضالته التي طالما بحث عنها: الحرية، والتي وجدها فعلاً لذلك ستثمر هذه الحدائق جميعها وربما ننتظر زمناً إبداعياً مختلفاً قادراً على ترجمة الأحاسيس الصافية، بعيداً عن التهميش والإقصاء والمزايدات التي لن تنتج إبداعاً بقدر ما تكرّر الماضي البغيض وتستعير أدواته الشهيرة بتعذيب المبدعين. الأمل كبير جداً بمستقبل الخطاب الإبداعي العربي بعد زوال الطغاة وبداية تأسيس الحقائق».

توقعات متفائلة

ويقول الشاعر والناشط السياسي عمر الكدي إنه «بعد الثورات التي شهدتها المنطقة سيتجذر مفهوم حرية التعبير، وحتى لو فشلت هذه الثورات وعادت الأنظمة الاستبدادية في شكل جديد، إلا أنها لن تستطيع تضييق هامش حرية التعبير في ظل هذه التطورات المذهلة في وسائل الاتصال والإعلام، وأتوقع أن المنطقة دخلت في نفس الفترة التي عاشت فيها أميركا اللاتينية وهي تتقلب بين حكم الجنرالات والديمقراطيات الرثة، قبل أن تصل أخيرا إلى الديمقراطية الحديثة، وأهم إنتاج أميركا اللاتينية الأدبي ظهر في الفترة التي شهدت فيها القارة عدم استقرار. أتوقع أن تصبح الرواية العربية أبرز رواية على مستوى العالم في غضون عشر سنوات، كما أتوقع حدوث تطور كبير في الشعر الذي آن له أن يتخلص من أمراضه السابقة وفي مقدمتها الاتكاء على الأيديولوجيا والغنائية الفاقعة، وسنرى قصائد تكمل الإنجاز الكبير الذي حققه محمود درويش».

أي ربيع هذا؟

ويقارب الشاعر خالد المغربي المسألة من زاوية أخرى، فيقول: «عندما نتحدث عن واقع الإبداع حاليا، نجد أنه إبداع موال لما يحدث في المنطقة العربية مما يسمى بثورات الربيع العربي، وهذه التسمية روجت لها جهات كانت تعد مسبقا لما يحدث الآن من استحواذ على ما يمكن أن يكون ربيعا وتجريد البقية من هذا الربيع! ولكن في حقيقة الأمر هذا الواقع أحرج المبدع الصادق الذي لايريد أن يكون أداة من أدواة الترويج لمشروع مازالت حقيقته مبهمة وخفاياه مازالت طي الكتمان.. عندما تريد التعبير من هذا المنطلق، سواء بقصيدة أو لوحة تشكيلية أو غير ذلك ستجد نفسك أثناء قيامك بالعملية الإبداعية محاطاً بإرهاب فكري أنتجه الواقع، أي أنك ستجد أفكارك يمارس عليك تهديد ووعيد بالخطر المحدق بك، وهذا الشعور كان ينتابنا فترة الأنظمة السابقة لكنه لم يصل إلى درجة الترهيب من الموت، فأي ربيع هذا؟؟! لذلك سيلزمك الواقع إما بالتوقف إذا كنت صادقاً أو بالتملق والتلفيق والسير باتجاه تزييف الحقائق لتكون أداة من أدوات التحايل والتلاعب بعقول البسطاء، وهذا لايعتبر إبداعاً أو أنك تواجه هذا الواقع بأن تكون مرآة تريه حقيقته في محيطك البسيط، فالإبداع هو أن تكون صادقاً في مشاعرك تجاه عملك وتجاه من تقصده بهذا العمل وغالبا ما يكون التاريخ هو المقصد لكل مبدع حقيقي، لأن العمل الذي يبقيه التاريخ لابد أن يكون عملاً صادقاً ويعبر عن المرحلة بكل مضامينها وواقعها دون التزلف والنفاق، فأنا كمبدع يمكن أن أبارك شيئا عظيما أكون على قناعة به وهذا الشيء لايعود علي بالمنفعة بل بالعكس قد يعود علي بالضرر، ولكن شعوري بأهمية هذا الشيء لمصلحة الأمة والعروبة والإسلام مثلا يحتم علي أن أتجاهل مصالحي الشخصية، أباركه بصدق دون النظر في نتائجه علي».

ويتابع المغربي قائلاً: «ومن حيث المستقبل لا أعرف ماذا سنترك للمستقبل خصوصا هنا في ليبيا، بعد أن اختلطت الأوراق واختلط الحق بالباطل وقسم الحق إلى نصفين، كل جانب أخذ النصف الذي يناسبه وأصبح يرى غيره من النصف الآخر الذي يرى تضرره من خلاله.. هذه هي الحقيقة وأنا كمبدع لايمكن إلا أن أكون عند المستوى الذي أجد فيه ذاتي، وهو المستوى الذي يرتقي بالجميع ولايبحث عن الكفة الراجحة ليزيدها ثقلاً على حساب الكفة الأخرى التي قهرتها عدة ظروف، هذه المشاعر تجعلك مبدعاً مشوهاً إذا لم تستطع أن تخرج من أعماقك حقيقة المشهد الذي من حولك بصدق».

سلبيات وإيجابيات

ويقول الشاعر والناقد رامز رمضان النويصري إن «الإبداع كتجربة لا يمكن فصله عن المتغيرات الكثيرة التي يعيشها المبدع، سواء الخاصة أو العامة، فما بالك بتغيرات كالتي حدثت في المنطقة العربية، والتي قلبت الكثير من المفاهيم، وكشفت الكثير مما كان مخبأ ومسكوتاً عنه.

ما حدث في المنطقة العربية، غيّر الكثير من الثوابت على الصعيدين العام والخاص، وهذا التغيير في رأيي يخدم مصلحة الإبداع، فهو يعني تجربة جديدة، وتحدياً جديداً للمبدع ليكون قادراً على إنتاج إبداع هو ابن المرحلة.

فالمتغيرات الجديدة، تعني في ذاتها تغيراً ثقافياً في المجتمع، فعلى سبيل المثال في تجربتنا الليبية، نهاية نظام القذافي، أوجدت معها الكثير من المكونات الثقافية الكثيرة والجديدة في المجتمع، وهي على الوجهين، السلبي والإيجابي، فمثلاً: معنى السلطة لم يعد يرتبط بالمنصب، كما أنها أوجدت حراكاً اجتماعياً جديداً في المجتمع واستخدام مصطلحات كان من الصعب تداولها بشكل علني، كالحرية، وحرية التعبير، والأحزاب، والمشاركة السياسية، وغيرها. والمبدع لا يستثنى من هذا الحوار، وإن كان هو المهموم من قبل، مسرباً أحلامه وأمنياته في إبداعه بشكل موارب، وها هو الآن يكتب نصه بشكل واضح دون خوف من رقيب. أمر آخر يضاف إلى هذا، حالة القلق التي تعيشها الدول العربية التي عاشت تجربة الربيع العربي، وهذه الحالة القلقة المستمرة سوف يكون تأثيرها المباشر على الإبداع في بعض الأجناس الأدبية، كالشعر والقصة، كونهما يتأثران بشكل أكثر باللحظة، ويعولان عليها وعلى اليومي، أما في الرواية فالأمر يحتاج إلى بعض الوقت للراوي للتأمل وانتظار النتائج، لصياغة رواية المرحلة، المسرح يعمل في ذات الاتجاه. وفي التجربة الليبية، هذا يظهر بشكل واضح وجلي، فالشعر والقصة يرصدان نبض الشارع، أما الرواية فتنتظر، فرواية التحرير أرخت لمرحلة نضال الشعب الليبي ضد نظام الطاغية، كما في رواية إبراهيم الكوني. أما مرحلة ما بعد التحرير فهي تنتظر.

المهم، أن هذا التأثير حتى وإن لم نتلمسه بشكل مباشر وواضح، سنراه قريباً، بعد أن تختمر التجربة أكثر، ويعاد إنتاجها أدبياً».

أمنيات ومنجزات

ويتناول القاص فتحي نصيب المسألة من زاوية تفاوت الأجناس الأدبية «فمن المعروف أن الشعر أكثر الأجناس الأدبية تأثراً بالواقع، وهو الأسبق في التعبير عن المتغيرات (الاجتماعية أو السياسية أو الفكرية)، وينطبق هذا أيضاً على الفن التشكيلي والموسيقى والغناء، أما الرواية و(القصة) فتحتاجان إلى وقت (قد يطول أو يقصر)، كي تلتقطا تفاصيل الأحداث والانفعال بها ثم التعبير عنها».

ويتابع: «فيما يتعلق بما وصف (بالمتغيرات الأخيرة) في المنطقة العربية.. هناك من يرى أنها ثورة ضد أنظمة استبدادية شمولية (امنوقراطية) ترى الحل الأمني الوسيلة الناجعة لحماية سلطتها واستدامة حكمها، ولم تحقق أي منجز على صعيد التنمية البشرية أو الاقتصادية، فلا حرية ولا قوانين ولا تنمية، مع استشراء الفساد ونهب الثروات من قبل العائلة الحاكمة وأقلية مستفيدة. وهناك من يرى أنها (انتفاضة شعوب مقهورة) لم تنجز ثورة كمثيلاتها الفرنسية أو الروسية أو ثورات الدول الاشتراكية السابقة.

وفريق ثالث يرى أن الغرب نصب حكاماً ليكونوا (وكلاء) له تنحصر وظيفتهم في تأمين وصول ثروات بلدانهم الطبيعية (كالبترول والغاز) إلى الغرب.. وفتح أسواق البلدان العربية أمام السلع والأسلحة (الخردة) لامتصاص ما تبقى من ثروة مالية، والغرب نفسه من أطاح بمن نصبهم بعد انتهاء صلاحيتهم. ولذا فإن الإبداع الأدبي والفني سيكون انعكاساً لهذه الرؤية أو تلك.

بشكل عام وبصرف النظر عن وجهات النظر السالفة، فإن هناك ثوابت أنجزت ولا أتوقع الرجوع عنها، ومنها: حجم حرية التعبير المتاحة مقارنة بالأوضاع السابقة التي وصلت إلى حد لا يتفق ومعطيات العصر، حيث طاردت الأنظمة الشمولية كل الشرائح ومعظم المثقفين والكتاب وسجنتهم وأعدمتهم وهجرتهم، بل وصادرت حتى أحلامهم في العيش بكرامة، ومنها أيضاً بروز أدوات ووسائل تعبير لا تعول على قنوات الإعلام الرسمي المقروء والمسموع والمكتوب، كاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو رسوم الجداريات (الجرافيك) في الشوارع والميادين العامة، ومنها التوسع في صدور الصحف المستقلة عن الخط الرسمي للدولة التسلطية. من خلال كل هذه المعطيات يمكن أن نتلمس إجابة عن السؤال المطروح، حيث صدرت بالفعل أعمال أدبية مواكبة للأحداث الأخيرة، ولكنها بشكل عام ضعيفة فنياً ويشوب معظمها التسرع لأنها جاءت منفعلة وآنية أي تتعاطى مع الحدث وكأنها أخبار صحفية، وأتوقع أنه في المستقبل المنظور ستخرج أعمال أدبية وفنية أكثر نضجاً وأقل تسرعاً، وهي التي ستصمد في وجه الزمن. إن الأحداث التي أطاحت بعض الأنظمة الشمولية العربية لا بد أن تنتج إبداعاً جديداً.. بمعنى أن الأدب والفن لن يكونا كسابق عهديهما، على مستوى المضمون أو الشكل، الآتي سيكون مختلفاً عن الماضي وسيشكل قطيعة مع الموروث من الخوف والرعب المزروع منذ قرون طويلة».

اتساع المخيلة

وتقول الكاتبة سعاد الورفلي إن «الإبداع مثل الكائن الحي يتغير ويتأثر بالمحيط أو البيئة التي ينبثق منها وفيها... وحري بنا أن نعلم جيداً أن هناك خطوطاً إبداعية تدل على مستقبل واعد لأصحابها، خاصة بعد الثورات والتغيرات بمنطقتنا العربية.. حتى أن المخيلة باتت تتسع وتتسع لتحميل خيال أكبر من حجمها الذي عاشته طيلة سنوات جمود معينة. ونحن نعلم جيداً أن الثقافة تتعدد بالمنطقة الواحدة بعد أن كانت بعض المناطق لا تحوي أفكاراً متنوعة، بل لا تحتضنها أصلاً.. فالمبدع المفكر سيصاب بحالة ذهول ودهشة فكرية حيال ما يعيشه من انفتاح مفاجئ لكافة أوجه الثقافة والفكر، حتى أنه يقع عليها دونما تمحيص، فيلتقط منها دون فحص فيقع في الاختلاط المتشابه عليه.. إلا أن المبدع يستطيع الفكاك من كل تلك المشارب المتنوعة والثقافات المتداخلة بيئة ومكاناً وزماناً ووجوهاً وحيثيات مع كثير من الأمور التي لا تعد ولا تحصى».

وتضيف: «بعد المتغيرات بالمنطقة، انفتحت انفتاحاً فكرياً رهيباً، فالأدوات موجودة: الإنترنت والمواقع والصفحات والشخصيات التي كانت تقبع في مركزية خاصة.. هذا الانفتاح هو سمة ذاك التغيير الذي أثر على كثير من الأيديولوجيات والعقليات، بل أصبح الفكر البروبجندي الذي يعني التشريد الفكري أو الانشغال بسذاجة وسطحية الأمور لا مكان له في عالم الإبداع. وصارت مكانة المبدع تتدرج وتتسع وينمو الخيال، إلا أن هُناك بعض المؤثرات السلبية على المبدع كتأثير الحروب سلباً وسياسة قفل الأفواه بطرق غير مباشرة.. العمليات الأخيرة في المنطقة جعلت بعض المبدعين يعودون لمحارة مقفلة يتقوقعون فيها على ذواتهم، خوفاً من قيادة الكلمات فتهوي بهم في صراع التيارات.. لكن مستقبل الإبداع اتضحت معالمه أكثر.. رغم وجود بعض السلبيات الكثيرة إذ صار من لا يفقه الإبداع وليس بمبدع أصلاً، يقود دفة الإبداع ويتداخل في كل المجالات وهذا لا يضير، لأن المبدع الحقيقي هو الذي يصمد ولا يتهاوى، بينما المدّعون سرعان ما يختفون من الساحة».

* شاعر وصحفي مستقل من ليبيا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا