• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

على أكتافه تنهض مطالب التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان

حق الاختلاف.. ضمانُ الشرعيَّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 فبراير 2018

عبد السلام بنعبد العالي

كل المطالب الأساسية التي تتصدر اليوم الخطاب العام، وأعني مطالب التعددية، والديمقراطية كنظام لتدبير التعدد، وحقوق الإنسان كشرط أساسي لشرعية أيّ نظام، كل من هذه المطالب يتأسس كما نعلم، على مبدأ «الحق في الاختلاف»، فما الذي نعنيه بهذا المبدأ؟ محاولة للإجابة المقتضبة على هذا السؤال سنبدأ أولاً بتحديد ما ليس اختلافاً. وذلك بإثبات الفرق بين الاختلاف والتمايز، ذلك التمايز الذي قد يصبح تميّزاً في بعض الأحيان.

الاختلاف ليس مجرد التميّز. فبينما يضعنا الاختلاف أمام متخالفين مبعداً أحدهما عن الآخر، مقرباً بينهما في الوقت ذاته، ويعرض علينا أشياء يتنوع وجودها ويتباين وقد اجتمعت في الحضور ذاته، فإن التميّز يعرضها أمامنا متباعدة منفصلة. في الاختلاف تمتد العناصر في خطّ أفقي متباينة متصالحة، وفي التميّز تنتظم وفق سلم عمودي متمايزة متفاضلة. الاختلاف ينخر الكائن ذاته ويصدع الهوية، أما التمايز فيتم بين هويات متباعدة، وكيانات منفصلة، بل كيانات متفاضلة.

موقف اختباري

لتوضيح مفهومه عن الاختلاف يبدأ هيغل باستبعاد موقف رائج يدعوه هو الموقفَ الساذج عن الاختلاف، أو الموقف الاختباري. يرى هذا الموقف أن الأشياء المتباينة تختلف عن بعضها اختلافاً بحيث لا يبالي أحدها بالآخر indifférentes ما دام كل منها مطابقاً لذاته مكتفياً بها. ما «يقف» عنده الموقف الاختباري من الاختلاف هو التنوع، هو الأشياء من حيث إن بعضها يتميز عن الآخر. وإذا كان هذا الموقف يعرف الاختلاف كما يعرف التطابق، إلا أنه لا يبلغ معرفة الاختلاف الباطني أو الجوهري. يغدو الكائن هنا مجزأ إلى عناصر متعددة وأطراف مبعثرة خارج بعضها عن البعض. إن هذا الاختلاف لا يرقى حسب هيغل حتى إلى مستوى التعارض وبالأحرى التناقض.

ذلك أن التنوع والتبعثر لا ينتعش إلا إذا تلقت الأشياء التي تشكله السلب الذي هو سر الحركة التلقائية. والسلب لا يكون إلا بجرّ المخالف نحو آخره لا بإبعاده عنه. آنئذ يغدو الآخر ضرورياً للذات، ولا يتحدد المخالف إلا بتعيينه الخاص بالنسبة للآخر، بالنسبة لآخره.

لهذا، فعلى رغم الرواج الكبير لمفهوم الاختلاف، لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الأمر قد لا يتعلق، في غالب الأحيان، إلا بمفهوم التميّز. وبعض دعاة الاختلاف لا يصدرون في الحقيقة إلا عن التسليم بتمايزات، أو تميّزات. وكل ما نسمعه عن «الحق في الاختلاف» و«اختلاف الجنسين»، وعن الاعتراف باختلاف الثقافات والحضارات والأجناس واللغات، قد لا يعدو عند البعض في الغالب إقراراً بالتمايز والتميز. إنها «تمايزات» تكون في أحسن الأحوال «اختلافات» أنثروبولوجية، وفي أغلبها «اختلافات» جغرافية، بل عرقية. أما الاختلاف، فهو «مفهوم» إثنولوجي، وليس مجرد مفهوم أنثروبولوجي، وبالأولى جغرافي أو استراتيجي. إنه المفهوم الذي بفضله يتحدد الكائن كزمان وحركة، ويصبح بفضله التعدد «خاصية» الهوية، والانتقال والترحال «سمة» الذات، والانفتاح والتصدع «صفة» الوجود، والانفصال «سمة» الكائن. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا