• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

«العصفور والسكين».. العنف إلى أقصاه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يناير 2015

رضاب نهار

يقف المتلقي صامتاً، وربما خاشعاً أيضاً، أمام لوحة «العصفور والسكين» للفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي من مواليد 1951، إذ يراها للمرة الأولى. فهذه البساطة المباشرة في العنوان المستوحاة من وجود واضح ومباشر لعناصر اللوحة، تخفي صراعات وتجاذبات عقيمة ولا متناهية، تشكّل بدورها ثنائيات تكاد تكون العلاقة فيما بينها غير مفهومة على الإطلاق، وتعكس التعقيد الحاصل على أرض الواقع، والذي طال عبدلكي شخصياً.

لقد اعتمد الفنان في تصويره للفكرة، على ثنائية يوحي كل قطب منها بالنقيض تماماً للقطب الآخر. فالفرق شاسع جداً بين رقة «العصفور» ككائن حي بمنتهى اللطافة، فضلاً عن أنه يوحي رمزياً بالأمل والحياة. وبين «السكين» الغرض المادي المخيف بقسوته وبقدرته على استحضار الموت في أية لحظة من اللحظات. حيث اجتمعا معاً في مشهدٍ واحد، صامت وجامد، وكأنه مقتطع من دراما تمثيلية من المسرح أو السينما باعتباره مشهد النهاية.

في اللوحة ظهور قوي لعصفور ميت، يستلقي على ظهره رافعاً قدميه فوق سطحٍ رمادي اللون. تفصل بينه وبين السكين المنتصبة والمغروزة في السطح، مسافة صغيرة تثير التساؤل والغرابة بعض الشيء. لكن ما يثير الدهشة أكثر، هو وجود أداة القتل إلى جانب الضحية من دون أية علامات واضحة وكاشفة لفعل القتل نفسه. فلا دماء، لا جروح ولا حضور للسكين في جسد العصفور. وهنا تكثر التحليلات والتفسيرات، وفقاً لما يراه كل منا، من خلال علاقته مع الواقع المعيش. فقد علّمتنا السنوات الأخيرة التي أنجز عبدلكي لوحته خلالها، أن الحقيقة دائماً غائبة على الرغم من أنك قد تراها ماثلةً واضحةً. وربما تشير هذه الرمزية إلى غياب القاتل الحقيقي، أو تغييبه عمداً. فالسكين ليست إلا أداة للتنفيذ، يحدث ربما، أن يستعاض بها عن الفاعل للتضليل أو للاكتفاء بالإيحاء.

من جهةٍ أخرى، وعلى الرغم من أن عبدلكي لا بد وأنه رسم لوحته متأثراً بما يجري حوله منذ أعوام، إلا أن هذا المشهد الرمزي يمكن أن يسقط على أي زمان ومكان. فالقاتل دائماً موجود والضحية جاهزة دوماً لتلعب دورها بكل براعة، ليس رغبةً منها، بل هذا ما تقرّه الظروف والقرارات الكبرى عادةً. الشيء ذاته الذي يحدث حولنا وعلى مسافات ليست بالبعيدة عنا.

المشهد برمته قاسٍ وينضح بالتوتر الذي يحصل بعد كل جريمة.. وتأتي القسوة فيه من التناقض الصارخ بين عنصري اللوحة المجسدين بواقعية شديدة. كذلك ثمة قسوة لونية يثيرها تضاد الأبيض مع الأسود وما بينهما من تدرجات للون الرمادي خاصةً وأن الجسد الحاد للسكين يطابق لونه، لون جسد العصفور من الداخل أو من فوق. حتى ندرك ونتأكد من أننا نعيش واقعاً مؤلماً بنسخة تشكيلية، حوّلت الجميع إلى رموز تستدعي التوقف والفهم. ويجدر بنا أن نلمح «التطرف» بمختلف أنواعه، حاضراً وقائماً على طرف السكين الحاد، الذي لا يعرف مجالاً للحوار إلا ويترك وراءه سيلاً من الدماء.

أما الأقوى في المشهد فمن دون شك وبغض النظر عن توضع الضحية في مقدمة اللوحة، هو السكين الضخمة المنتصبة وراء العصفور المسجى أرضاً. لقد أعلنت انتصارها على هذا الكائن وانتصبت شاقولياً بينما جسده يرتاح أفقياً وللأبد. وسط زمان ومكان غير معلنين، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحدث، فحتى التاريخ لن يشهد على هذا الفعل القاسي، وحتى المكان لا أهمية له. وهكذا فإن العصفور مات وحيداً في غرابة وغموض لا تفهم مكوناته.

تشير اللوحة في نظرتنا الأولية لها إلى «العنف» كثيمة ثابتة وأصيلة في الزمن المعاصر. هذا العنف الذي دخل ولا زال يدخل في كل تفاصيل الحياة حتى تأصّل وتفرّع فيها، بمشاهد وأفعال لا يمكنك تخيلها. ولا ننكر أننا نذهب مباشرةً بعده هذه الرؤية الأولية إلى مراجعة ومقارنة ما رأيناه وما سمعناه من أحداث وأخبار هنا وهناك، باللاشعور ودون رغبة فعلية بذلك وبوقت قد لا يستغرق أجزاء من الثانية. كل ما في الأمر أننا صرنا مبرمجين آلياً على عملية الدمج والمقارنة بين الفن والواقع، الشيء ذاته الذي يدفع الفنانين أنفسهم إلى التعبير بتلك الطريقة.

يستحيل أن نفصل بين ما نراه في اللوحة وبين ما نعيشه ونراه اليوم. سواء على أرض الواقع أو عبر وسائل الإعلام. فكم من جسدٍ استلقى أمام الكاميرا بينما القاتل ينظر منتشياً ومبتسماً؟ وكم من رأسٍ جسده فصل عنه، متدحرجاً ليدنو منا وكأنه يعلن موته مستنكراً. وغيرها الكثير من الصور والمشاهد المؤلمة التي تحيل فعلاً إلى ثنائية «العصفور والسكين»، وكأنها تترجم عناصرها وأبعادها التشكيلية إلى مشاهد حية بالصوت والحركة.

يليق هذا العمل الفني بأن يكون إدانة معاصرة وقوية بوجه العنف، بوجه القتل بكل تجلياته وتمثيلاته التي صارت معروفة بالنسبة لنا والمجهولة كلياً، المتوقعة وغير المتوقعة أبداً. يصلح لأن يعتبر وثيقة تدين الإجرام وتكون شاهدة عليه مع مرور الزمن وعلى مر العصور وفي كل الأمكنة، لا تميّز بين إنسانٍ وآخر إلا من خلال الدور الذي يلعبه، هل هو مجرم أم ضحية؟.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف