• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الانتهاكات والفضائح التي ارتكبها طرفا النزاع الجنوبي لا يحتاج إثباتها إلى تقرير «أوباسانجو» فهي واضحة وضوح الشمس لضحاياها المدنيين.

جنوب السودان.. هما رجلان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 فبراير 2015

سألني صديق قارئ لماذا الاهتمام بمسألة الأوضاع المأساويه التي خلفتها الحرب الدائرة بين «سلفاكير» رئيس دولة جنوب السودان ونائبه السابق رياك مشار؟ وقد قرأ الصديق مقالات الأسابيع الماضية، التي نشرتها «الاتحاد»، وكان ردي عليه أن مصدر هذا الاهتمام، ودعوة الجميع في السودان وغيره من دول الجوار للاهتمام بالجنوب، سببهما أن هذا الصراع العبثي لم يعد هماً ومشكلة لشعب الجنوب وحده، وإنما أصبح هذا المشكل العصي على الحل العقلاني مشكله إقليمية، بل ودولية، تلقي بظلالها القاتمة على شعوب ودول الجوار وما بعدها من البلدان الأفريقية، وفي حال استمرار تفاقمها على هذا الطريق ستؤثر على الأمن والاستقرار الدولي.

لقد اجتمعت القمة الأفريقية الأسبوع الماضي في أديس أبابا وتزامن معها اجتماع قمة «الإيغاد» المكلفة من الاتحاد الأفريقي بحل الأزمة في جنوب السودان في أجواء يسودها التشاؤم المبرر بأن هذه الأزمة لن يتحقق حلها في هذا الاجتماع ولا في اجتماع تالٍ له على رغم التهديد الخطير الذي صدر عن اجتماع القادة الأفارقة وإعلانهم كل أطراف الأزمة من القيادات السياسية الجنوبية بإن «الإيغاد» سترفع الأمر إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي في حالة رفض أطراف الأزمة التوقيع على اقتراح الحل الذي عرضته عليهم «الإيغاد» والمشار إليه بخريطة الطريق لإدارة المرحلة الانتقالية وهيكلة حكومة الوحدة الوطنية التي يتشكك فيها الجميع. وأعلنت أنها في حالة الفشل في الوصول إلى اتفاق تقبله الأطراف المتناحرة ستوصي مجلس السلم والأمن الأفريقي برفع الأمر لمجلس الأمن الدولي.

لقد رفضت الأطراف المتناحرة مشروع الحل الأفريقي الذي عرضه عليها «الإيغاد» الذي يحظى بمساندة قوية من مجلس الأمن والسلم الأفريقي. ولم يقدم المجلس على الخطوة المنطقية المترتبة على رفض الأطراف الجنوبية للمشروع، بل إنه عاد إلى الحديث عن إعطائها مهلة زمنية لبحث مشروعه الساعي لحل الأزمة، مثلما فعل مجلس السلم والأمن الأفريقي بتقرير لجنة التحقيق التي شكلها من قبل برئاسة «أوباسانجو»، الرئيس النيجيري السابق، للتحقيق في الحرب الأهلية في الجنوب، ورصد الانتهاكات والفضائح التي وقعت خلالها... وكان ذلك التحقيق قد رسم صورة قاتمة وقبيحة لتصرفات طرفي الصراع، والانتهاكات الخطيرة التي ارتكباها والجرائم التي طالت المدنيين في الجنوب وممتلكاتهم... وحدد التقرير المسؤولين عنها. وأوصت اللجنة باتخاذ إجراءات عقابية وإذاعة ونشر التقرير بأكمله، وقد ساندت منظمات المجتمع المدني الجنوبية والإقليمية والدولية هذه التوصيات... ولكن مجلس السلم والأمن الأفريقي لم يستجب لهذا الطلب بنشر التقرير؛ لأنه كما قال يخشى إذا نشره وأجاز العقوبات المترتبة عليه أن يجهض ذلك محاولات منظمة «الإيغاد» للوصول إلى تسوية سياسية سلمية بين طرفي الصراع!

ولكن الانتهاكات والفضائح التي ارتكبها طرفا النزاع الجنوبي لا يحتاج إثباتها إلى تقرير «أوباسانجو»، فهي واضحة وضوح الشمس للمواطنين الجنوبيين ضحاياها البؤساء. وسلوك المتحاربين القبيح صار أحاديث المجتمع الدبلوماسي في أديس أبابا وضج منهم في الداخل رئيس أساقفة الجنوب الذي قال مؤخراً «إن البعض يتناقشون بهدوء في السياسة بأديس أبابا بينما آخرون يقتلون على الأرض ويموتون»، وأضاف أن هذه الحرب قضية حكم.. وهذا الرأي السديد توصل إليه دبلوماسيون أوروبيون حضروا وشاركوا في المحادثات الحثيثة والمكلفة. وقال دبلوماسي أوروبي: «فليسامحونا إن كان لدينا الانطباع بأنهم مهتمون بالنفقات اليومية والفنادق الفخمة وليس السلام»! وأضاف «لا يبدون مدركين لمدى خطورة الوضع أو لمسؤوليتهم إزاء الناس الذين يموتون على الأرض، فهم يبدون ازدراءً تاماً لشعبهم». وقال دبلوماسي آخر في أديس أبابا «إن قضية الحرب الجنوبية تتلخص وتتمحور حول شخصين ورجالهما الذين يقاتلون لسرقة ثروات جنوب السودان في الوقت الذي يحتاج فيه نصف سكان البلاد للمساعدة بحسب تقرير الأمم المتحدة».. أما المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة القرن الأفريقي أليكس روندوس، فقد بات يتساءل «نظراً لتعقيد الوضع يطرح سؤال عما إذا كان ممكناً القيام بعمل أفضل من جانب (الإيغاد) إزاء تحلل النظام السياسي بأكمله في جنوب السودان»؟

لقد انفض سامر «الإيغاد» ومجلس السلم والأمن والاتحاد الأفريقي وعاد الرؤساء والوزراء كل إلى بلده وترك الجنوب وأهل الجنوب، وقضاياهم «معلقة» إلى «موعد قريب» كما قال البيان الختامي... وبين الآن وذلك الموعد القريب يموت الناس على الأرض في الجنوب الذين صارت أقدارهم مرهونة بشخصين وطموحات وأطماع هذين الشخصين.

عبدالله عبيد حسن *

* كاتب سوداني مقيم في كندا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا