• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الحياة قرب نهر كمبوديا العظيم

روحانيَّةُ المياه الفائضة*

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 فبراير 2015

عبد العزيز جاسم

إذا كانت المُدُن أكثر عدداً من شَعْرِ ذيل الحِصان، فإن القليل منها فقط، مَنْ بمقدورها أن تَسْري في العروق وتدبّ في الفؤاد وتغزو الروح. العلاقة في البدء، قد تتم كإشارةٍ خفيةٍ بين عَابِرَيْن، فما أن تبدأ بالوخزة الأولى، حتّى تنتشر الفتنة في الجسد ويأخذكَ الشغف إلى غورها. غير أن تلك الإشارة، قد تكون كاذبة كالحَمْلِ الكاذب، وقد تكون عابرة ومآلها النِّسيان، وقد تكون خادعة كالمكيدةِ أو كسَرَابِ الصَّحْراء، وقد تكون كالنِّعمةِ المكشوفةِ الوجه التي لا تُرَدُّ ولا تُصدّ. شيء ما في مجاهيل النَفْس، يبزغ فجأة في المسافة الفاصلة بينكما، فيقودك إلى ضياء الفَجْر. هكذا، تبث المدن القليلة إشاراتها للمسافرين والعابرين مثلنا، فهناك من يلتقطُ الضعيفة والعابرة منها، وهناك من يلتقط القوية والعميقة منها، وهناك مَنْ لا يلتقطُ لا هذه ولا تلك، فيعود خاوياً كما ذهب.

(إلى الصُحْبة الخضراء الحميمة. إلى ثاني السويدي، ويوسف أبو لوز، وعادل خزام)

(1)

مرايا «بِنُوْمْ بِنْ»

إنها «بِنُوْمْ بِنْ»(هكذا، كما تُنْطق بالكمبودية، وليس كما تكتب وتُنطق بالعربية: «بنوم بنه»)، « لؤلؤة آسيا»، وواحدة من تلك المدن القليلة التي ترسل إشاراتها لزوارها، وتفتح لهم برزخها، وتغمرهم بماء حياتها الدافق. وكيف لا تفعل هذا، وهي المنتمية لبلاد المياه الفّائضة؟ ففي كمبوديا، هناك نهر «ميكونغ» العظيم، وجنوباً هناك إطلالتها على بحر خليج تايلاند، وفي سهل البحيرات توجد بحيرة «تونلي ساب» (بحيرة المياه العذبة)، أمّا الأمطار فهي موسمية وتتواتر في الانهمار حتّى في الصيف. إنها بلاد من الجهات الأربع، محاطة بالماء ومغسولة به، فهي لا تشعر بالعطش ولا تعاني من الجفاف، مثل غيرها من البلدان المصابة بعاهة التصحر واليباب.

غير أن هذه الشرايين المائية المفتوحة على الطبيعة والحياة، قد وَلَّدت بدورها مياهاً عذبة أخرى، أَثَّرت عميقاً كما يبدو، بجانب عوامل ثقافية أخرى سنأتي على ذكرها، في تكوين الشخصية الكمبودية. هكذا، يمكننا أن نتحدث مثلاً، عن ماء اللَّطافة، وعن ماء التَّهْذِيب الجم، وعن ماء احترام النفس والآخر، وعن ماء النعومة الأنثوية والبشاشة، وعن ماء المحبة والصداقة، وعن ماء البساطة والهدوء وعدم الوقاحة. إنها مياه، مياه، تفيض من الخارج وتنبجس من داخل الإنسان الكمبودي، وتُصفِّيه وتُطَّهره وتُجدِّده وتجعله إنسانياً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف