• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

سلمى مطر سيف.. السرد جارحاً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 فبراير 2015

رضاب نهار

ساعة.. وأعود

يحكى في بلدنا أن رجلاً حبس ابنته فلم تخرج إلا مرة واحدة قالت: ساعة وأعود.

أبوها ينتظر عند حافة الشارع، ويبقى ساهر الليل والنهار، أحياناً يجلس وأحياناً ينكمش أحياناً يتأهب كأنه سينقض على ألمه، وأحياناً يتردد من بداية الشارع إلى نهايته، يركض كمجنون ويتباطأ كتائه ـ وعندما يقترب أحد من الناس ليأخذ بيده إلى البيت ليهدأ، يزعق في وجهه ويبكي كبكاء الأطفال وأشد ويقول: تعذبني كلماتها، أذني تطن بصوتها الرقيق، تقول لي: ما زلت مسجونة.

يتجمع المارة حول الأب الذي يحكي لنفسه «جاءتني وهي متزينة بثوب أزرق يشبه الموجة البعيدة، ومغطية رأسها وصدرها، العصفوران على أهبة الطيران بغطاء حالك، كانت تفوح منها رائحة الحناء.. لم تكن تنظر في وجهي، قالت إنني ذاهبة إلى الشارع ساعة وأعود. ولم تنتظر مني الإيجاب أو النفي وخرجت من فوهة الباب»..

«بعد ساعة لحقتها وأنا مذهول وشاتم لنفسي، كيف تركتها بتلك البساطة.. وعندما خرجت إليها، رأيتها وسط الشارع بجانب الناس، كانت تتحادث معهم ويختلط صوتها بأصواتهم لحقتها، عندما رأيتها تذوب وسط صراخ الشارع وتختفي رويداً رويداً كما تختفي الغيمة البيضاء في السماء الحارة، جريت وراءها بطول الشارع وبامتداد الناس وأنفاسهم المختلطة وكنت لا أصل إليها، كانت تنسحب ببطء مميت عني وأنا أركض وراءها في لحظة ما تيقنت أنني أمسكت يدها الدافئة وضممتها إلى صدري، قلت في أذنها نعود إلى البيت، ويممت راجعاً.. لكن ما لبثت أن عدت إلى رشدي، كنت كالحالم في منامه أنه يمسك فاكهة لذيذة وعندما صحا رأى يديه مسكونتين بالفراغ.. آه كانت تختفي أمام ناظري أجري والريح تضربني اختفت ولم أعد أميزها بين المارة وصدى صوتها يقول «ساعة وأعود».

استنفرت البلدة تبحث عن غريبة وقد حددت ملامحها من حديث الأب الفاجع، كان يناديها ويناغيها بأعذب الكلمات يذكر كل لمحة فيها، كل خلجة، وقع مشيها تمس الأرض وتتطير منها، عيونها سحابة قاتمة من الحزن، ووجها لؤلؤة سمراء، يقول بأنها غريبة عن الناس. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف