• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

«البحر».. المعهد الموسيقي الأول لمؤسس الأغنية الإماراتية الحديثة

حارب حسن .. و «دندنة» الأربعينيات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 فبراير 2015

نوف الموسى

نوف الموسـى

«يا حبيب القلب عذّبت الحشا..وانقضت لايام عنّا والدهور، الصِّبي من نور خديك اغتشى..من جمالٍ فيك تحتار النظور، يا حبيبي عنك ما أصبر حشا..إنت صاير وإلاّ غيرك ما يصور».. كم مرة نحتاج إلى قراءة قصيدة انطلاق الأغنية الإماراتية الحديثة، لمؤسسها الفنان الإماراتي حارب حسن، حسب توثيق الباحثين في مجال التراث الموسيقي المحلي؟ وما مدى إمكانية تحليل أبعاد القصيدة الاجتماعية والثقافية، في بيان أثر بداية (الدندنة) لموسيقانا في أربعينيات القرن الماضي، وفعل التجسيد الفطري للفنون التعبيرية بأشكالها، وبالتالي إعادة مناقشة الغناء والصوت ومفاهيم الإيقاعات والآلات المصاحبة، كمدلولات إنسانية، يحتفي بها المجتمع كمرجعيات حضارية، وأيقونة تفرز الجغرافيا ووضع العلاقات الإنسانية، والتباين المعرفي؟

لعل القدرة الموضوعية على قراءة المشهدية بين تذوق الفنان حارب حسن لما كتبه الشاعر ماجد بن علي النعيمي في تلك القصيدة، تُعد الخطوة الفعلية لبناء سيرة التخاطب الموسيقي في دولة الإمارات، ورغم عدم وجود أي مرجعية رسمية موثقة، قائمة على وسائل البحث العلمي، حول الفنان حارب حسن إلى الآن، إلا أن محاولات المتخصصين في هذا المجال البحثي مثل الموسيقي والباحث عيد الفرج والباحث مؤيد الشيباني، قدمت أخيراً عبر إصدارات متفرقة ولقاءات ثقافية، بعضاً من اللمحات التاريخية حول الفنان حارب حسن، والذي يصفانه بـ المدرسة الإماراتية الأولى، حيث أكد الباحث مؤيد الشيباني، أنه يقوم بإعداد كتاب متكامل عن الفنان حارب حسن، ضمن مشروع (موسوعة الأغنية الإماراتية).

في ثلاثة أشهر.. وخلال رحلة عبر البحر، تعلم الفنان حارب حسن العزف على آلة العود، عبر دروس قدمها له بحار التقى به الفنان وقتها، هذا ما قاله الباحث مؤيد الشيباني خلال حديثه مع «الاتحاد الثقافي»، ليكون (البحر) بذلك هو المعهد الموسيقي الأول لمؤسس الأغنية المحلية، لافتاً أن تعلمه للعود وازى مرحلة الدخول إلى الخمسينيات، والجدير بالذكر أن شغف حارب حسن، انكشف في عام 1944، عندما اتخذ من السفر والهجرة، وسيلة للبحث عن البيئة الفنية المناسبة، ولكن ما يستوقفنا في المرحلة السابقة هي القدرية المتمثلة في شخصية البحار، باعتباره المُدرس والمعلم، وحضور جغرافيا البحر ومداها الأزلي، كمساحة مفتوحة للحوار بين الشخصيتين في ممارسة صناعة الصوت على ظهر سفينة، وبها تبرز تساؤلات حول طبيعة تلك الحوارات، ومدى قبول وتفاعل مجتمع السفينة نفسه. ثلاثة أشهر زمنية جيدة لإحداث التغير الفكري، ومتنفس واعد لتعزيز الشخص الموسيقي في تكوين حارب حسن. وفي رحيل الفنان يصعب أحياناً على الباحثين الاسترسال في سرد تفاصيل الحادثة دونما حضور صاحب الشأن أو شاهد عيان أو رواية شفاهية، تستطيع قراءة عمق التحولات الإنسانية، ولكنها بطبيعة الحال تقدم أطروحات مهمة تُسهم في رفد المخيلة الأدبية المحلية، والتي تلعب دوراً أساسياً في توسيع نطاقات التناول للحياة الثقافية، والسؤال: من سيبادر في كتابة رواية أو مجموعة قصصية أو قصيدة عن الموسيقيين المحليين، اعتماداً على ما تم توثيقه، والأدب عموماً هو الأقدر على مجاراة المنهجية الوجدانية للأمم في العالم؟.

ظهر أول توثيق (ملخص) في إصدار معتمد عن الفنان حارب حسن، عبر كتاب «جابر جاسم، رحلة الكلمة والنغم» للباحث مؤيد الشيباني، وذلك أثناء تناول المؤلف الملامح الأولى للون الأغنية الإماراتية وفنياتها، وتحديداً في بدايات الستينيات، مع الفنان حارب حسن الذي تأثر بفنون المحيط الجغرافي، بالتواصل مع الشعراء، ساعياً لوضع الجملة الموسيقية الواحدة والاشتغال على تطويرها، وقال الباحث في رصده لتلك البدايات: «إذا تعمقنا في تجربة حارب حسن، سنجد أنها تستوعب الامتداد لمساحة كتاب، يتضمن السرد الروائي التاريخي لسيرته، ذات الطابع النوعي في متغيراتها المعتمدة على السفر والبحث المستمر لإيجاد فرصة الغناء، وفعلياً كنت أرى دائماً ذلك الشاب الصغير الذي قرر الخروج من مسقط رأسه بالجزيرة الحمراء بإمارة رأس الخيمة، نحو مدينة العين ومن ثم إمارة أبوظبي، التي وجد فيها فرصة عمل، لفترة معينة، كمرافق لأحد أعيان البلاد، لينتقل بعدها إلى الكويت، حيث لم ينجح فيها بسبب غرق أو ما يُعرف محلياً بـ (طبعت) السفينة التي عمل فيها، الأمر الذي جعله يعود للإمارات، مرة أخرى، ومنها إلى الهند، التي شكلت ملتقى ومناخاً مقبولاً للجاليات العربية، فنياً وثقافياً واجتماعياً، وهو يمثل مرحلة نوعية، تستحق التأمل والتسجيل والمتابعة التاريخية، لمساهمتها في إحداث جرأة وحراك أكثر لفعل الإنتاج الموسيقي الشعبي سواء من حيث الفنانين أو طبيعة الإنتاجات الشعرية».

توسعت تجربة الفنان حارب حسن، كما لفت مؤيد الشيباني، حيث غنى ثلاث أغنيات دفعة واحدة، من قصائد الشاعر سالم الجمري، جاء على إثرها مفهوم التأسيس للنغمة المحلية الجديدة، وحضور آلة العود والإيقاع، في مواجهة (الشلات) و (النهمة) المتداولة في تلك الفترة، واختار حارب حسن نغمة واحدة لجميع أغنياته، وتواصل سعيه المستمر في الاتصال بالشعراء وأصحاب التسجيلات، وحول الأخير، يقودنا البحث التوثيقي لتجربة حارب حسن حول اللقاءات النوعية التي شهدها الفنان أثناء وصوله إلى البحرين، كونها المناخ الفني الأكثر جذباً لفناني المنطقة وقتها، وتأثره بالمطرب محمد بن فارس والمطرب ضاحي بن وليد، وذكر الباحث البحريني إبراهيم راشد الدوسري في كتابه «ذاكرة الأغنية البحرينية 2011-1895»، وصفاً دقيقاً حول بيئة البحرين الفنية، والأثر الذي لعبه استثمار المواهب في المنطقة، معرجاً على مسألة انتشار محال تسجيل وبيع الأسطوانات، في منتصف الأربعينيات بمنطقة المنامة بالبحرين وقال حول ذلك: «لقد قامت تلك المحال فضلاً عن تسجيل الأغاني البحرينية، بتسجيل أغان لمطربين خليجيين من أمثال المطرب حارب حسن وموزة سعيد».

أهم ما غفل عنه بحسب الباحثين في الموسيقى والغناء الشعبي، هو مدى التنوع والزخم ومناقشة الحداثة في مخزون القصيدة المختارة من قبل الفنانين في تلك الفترة، ومن بينهم حارب حسن، وذكر الباحث مؤيد الشيباني، بعضاً منها على سبيل المثال، كمفردة (التلفون) و(الطيارة) و(كاديلاك) إشارة لاسم سيارة، مبدياً أهمية الإيمان بأن التأثر بالأنماط الموسيقية القربية من المنطقة، كاليمنية مثلاً، لا يلغي الاستحقاق الاجتماعي لأهل المنطقة في تأسيسهم لموسيقى نابعة من بيئتهم وتفاصيلهم وأرواحهم، وبالرجوع إلى عموم الموسيقى العربية، فإن هناك كنموذج تأثر العراق بالفنون الفارسية، بينما شهدت بلاد الشام تمازجاً بنغمة الأناضول أو ما يعرف بالفن التركي في الوقت الراهن، لافتاً الشيباني ضمن مقدمة توثيقه لتجربة الفنان حارب حسن أنه اشتهر (قبل أن يعتزل بسبب إصابته بمرض الربو) بالعديد من الأغنيات الشائعة، التي تم بثها عبر إذاعة «الكويت» و إذاعة «دبي»، وإذاعة «بغداد»، وإذاعة «البحرين»، وإذاعة « قطر»، وإذاعة «لندن»، وذلك ضمن زاوية الاختيارات من كل بلد عربي، ومنها: (البارحة ياما جرالي)، (أسمر حبيب الروح)، (يا قلب يا ولهان)، (يا عيني لك الله)، (أمس العصر)، (يا بوعلي)، (قلبي مولع) ، (البارحة لاقيت أنا حورية)، (دار دولاب الشعر)، (وين قلبي راح ما دلّه) وغيرها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف