• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

القصيدة واللوحة.. قرابة الرمز والمعنى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 مارس 2017

د. سعيد توفيق

غرضنا في هذا المقال أن نتفهم صلة القرابة التي تربط بين فني الشعر والتصوير، وهو فهم يتجاوز التمييز التقليدي الذي يفصل بين الشعر والتصوير كما نجده في تصنيف لسنج Lessing للفنون الذي يميز بين فنون صوتية زمانية أو إيقاعية تعبِّر عن تتابع الأصوات والأفعال في الزمان (كالموسيقى والشعر)، وفنون تشكيلية مكانية تعبِّر عن الأجسام المرئية في المكان (كالمعمار والنحت والتصوير). وعلى هذا، فإن التصوير يتمثل الأفعال بواسطة الأجسام، وهو يقوم بتثبيت الفعل في لحظة زمنية واحدة منتقاة، بحيث تعبر عما يسبقها وما يتبعها من لحظات، وبذلك يتم تثبيت اللحظة في المكان. وفي مقابل ذلك، فإن الشعر يمكن أن يصور الأجسام، ولكنه يصورها من خلال الأفعال وتتابعها الزماني عبر سياق من لحظات ترتبط كل لحظة فيه بغيرها وتضيف إليه صوراً جديدة.

تداخل الفنون

غير أن هذه القسمة الثنائية بين الفنون (ومن ثم بين الشعر والتصوير) لا تستند إلى أساس متين، وبالتالي يمكن تقويضها وزعزعة دعائمها، وهذا ما اضطلع به إتين سوريو Etienné Souriau حينما كان بصدد تقديم تصنيف بديل معاصر يقوم على فهم ما هنالك من علاقات وتداخلات بين الفنون. فهو يبين لنا أن البعد الزماني يكون مفترضاً في الفنون التي تسمى بالفنون المكانية كفن المعمار، كما أن البعد المكاني يكون مفترضاً في الفنون التي تسمى بالفنون الزمانية كفن الموسيقى على سبيل المثال: فالبناء المعماري لا يمكن الإحاطة به من نظرة واحدة، وإنما من خلال نظرة تتابعية تستغرق زمناً ما، كما أن مشهده يتغير بتغير الساعات والفصول التي تتبدل من خلالها الخلفية التي يظهر المشهد في ضوئها. وفي مقابل ذلك، نجد أن العمل الموسيقي- على سبيل المثال- يفترض المسافات والكتل الهوائية التي تملأ فضاء الحجرة أو القاعة، وهي أمور تتحدد بفعل الترتيب المحسوب لوضع الآلات والعازفين في المكان الذي يجري فيه العزف أو الأداء الموسيقي.

وفضلًا عن ذلك يمكننا القول إن الموضوعات التي تعبر عنها الفنون، لا يمكن تقديمها إلا من خلال إطار زماني مكاني، لأن لا وجود- لا في الفن ولا في الحياة- للزمان الرياضي المجرد الذي يمكن تصوره مجرداً تماماً من علاقته بالمكان، كما أن لا وجود لمكان مصور في عمل أدبي ما- على سبيل المثال- إلا في إطار زماني لعالم ما. ناهيك عن أن الأعمال المعمارية لا يمكن تصورها أصلاً بمنأى عن العالم التاريخي الذي تنتمي إليه.

وربما أمكن القول بأن مادة الفن ذاتها هي التي يمكن أن يغلب عليها طابع زماني أو مكاني: فمادة الموسيقى (وهي الصوت الموسيقى)، ومادة الشعر (وهي الكلمة) لهما طبيعة الامتداد الزماني وقابلية التشكيل الإيقاعي. وربما يكون أيضاً هذا الطابع الزماني الأصيل في كل من الشعر والموسيقى هو ما شجع كثيراً من الفلاسفة والمنظِّرين على البحث فيما هنالك من صلات وثيقة بين هذين الفنين. ومن تلك أن هناك طابعاً موسيقيّاً في الشعر لا يمكن تجاوزه، يتمثل في الإيقاع الذي يرد عبر سياق تتابع الكلمات، فضلاً عن الإيقاع الذي تختص به الكلمة في ذاتها. ولكن هذا الارتباط الوثيق بين الشعر والموسيقى لا يعني أن نضع الشعر في جانب الموسيقى بمعزل عن غيره من الفنون التشكيلية، خاصة فن التصوير. غير أن الصلة بين الشعر والتصوير قلما تنال حظاً من التأمل، رغم تجلياتها العديدة. وهذا ما سنحاول الكشف عنه الآن.

تجليات العلاقة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا