• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الفيلم حولها إلى حقول مزدحمة بالعلامات المضلّلة

عندما يحتشد «الشك» في الوجوه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 31 مارس 2016

محمد العباس

بالمنطلقات الترفيهية والفكرية، يذهب الناس إلى السينما ليشاهدوا لا ليسمعوا، فالسينما فن بصري في المقام الأول وله سطوته على بقية الحواس، وهذه بديهية لم تكن لتغيب عن جون باتريك شانلي، مؤلف ومخرج فيلم (الشك) Doubt عندما نقل قصته من قالبها المسرحي الحاصل على جائزة البوليتزر إلى صيغته السينمائية، فالنص المكتوب أصلاً للمسرح يعتمد في جانب كبير منه على اللغة، والحوار بشكل خاص، الأمر الذي حتّم البحث عن طريقة سردية مغايرة تكون الصورة هي جوهرها، وهكذا جاء أطلس الوجه، والتعبير بتضاريسه تحديداً كقيمة أدائية مهيمنة، إلى جانب لغة الجسد، واللغة كملفوظات، وهذا هو ما يفسر كثرة اللقطات المقرّبة Close Up لبيان مرادات الفيلم من خلال تعبيراتها.

على الرغم من منسوب الحوار فيه، فإن فيلم (الشك) إيحائي، يزرع العلامات ولا يصرح بأي فكرة أو نتيجة على نحو مباشر، لأنه - كنص - يرتد بشكل عمودي إلى أعماق النفس البشرية، وهذا هو ما يستلزم وجود طاقم من الممثلين القادرين على توصيل ثيمة الفيلم ورسائله من خلال تعبيرات الوجه Facial Expression، على اعتبار أن العين هي نافذة الروح، كما أن الوجه هو شاشة التعبير الانفعالي، وهي قدرات أدائية اشتهرت بها ميريل ستريب، التي أدت دور الراهبة (الويشيوس)، وعُرف بها فيليب سيمور هوفمان، الذي قام بدور الأب (فيلين)، كما تتوفر في إيمي أدامز، التي نهضت بدور الراهبة الشابة (جيمس)، وكذلك لفيولا ديفس تاريخها في هذا النوع من الأداءات، التي تصدت لدور السيدة ميللر، حتى جوزيف فوستر، الذي أدى دور الطفل الزنجي دونالد ميللر، كان على درجة من التعبير بإيماءات وجهه.

ولأن الفيلم لا يهدف إلى إبراز البشاعة الشكلية بقدر ما يغوص في أعماق النفس البشرية، لم يكن في وارد المخرج تسهيل مهمة الممثلين من خلال تلطيخ وجوههم بأصباغ المكياج لوصمها بالخير أو الشر، إذ تكاد الوجوه تطل على الشاشة بطبيعتها عدا بعض الرتوش الإجرائية لتأطير الملمح العام للشخصيات ومعالم الفضاءات الزمانية والمكانية، وهو الأمر الذي حفَّز كل واحد منهم على تخليق قناعه العضوي بوساطة عضلات وجهه، تماماً، كما يفترض ويوصي جيرزي جروتوفسكي في مسرحه الفقير، الخالي من الإثقالات التمويهية وحيّل الماكير، أي سعي كل ممثل إلى استظهار قدرته الخاصة بوجهه Facedness وإبراز طاقته في إيصال المعنى بالتعبيرات اللالفظية، للتأثير بها على المشاهد.

التسامح والتزمت

قصة الفيلم في عنوانها العام تقليدية ومكرّرة في أفلام كثيرة، فهي تتعلق بشّبهة الشذوذ في مدرسة تابعة لأبرشية سانت نيكولاس. بموجب حادثة غامضة تقع على هامش الصراع الدائم ما بين تحديث الكنيسة أو الإبقاء على قدامتها بدعوى الأصالة والتقوى والحفاظ على القيم، حيث تدور تلك الأحداث على خلفية اغتيال كنيدي عام 1963م، وما أعقب ذلك من هزة عنيفة في يقينيات ومعتقدات المجتمع الأميركي، الأمر الذي دفع الأب فيلين لتكريس خطبته لفكرة الشك (ما الذي تفعلونه عندما لا تكونون متيقنين، هذا هو موضوع عظتي اليوم. العام الماضي عندما اغتيل الرئيس كنيدي، من منا لم يشعر بارتباك عميق للغاية؟ أو بالأسى؟ أي طريق أسلك؟ ماذا أفعل الآن؟ ماذا أقول لأولادي؟ ماذا أقول لنفسي؟). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف