• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

في مواقف جورج طرابيشي من الغرب والديمقراطية والعلمانية

تفكيك العقلية التراثية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 31 مارس 2016

هاشم صالح

خلف المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي مؤلفات عديدة وخصبة وراءه. وهي تستحق المراجعة والتقييم، وحتماً سيقوم بذلك المتخصصون من المثقفين العرب. ليس هدفي هنا الإحاطة بالموضوع، وإنما إلقاء الأضواء الخاطفة على بعض محاوره الفكرية، ومن أهمها موضوع العلاقة مع الغرب، وهو ما دعاه بعضهم بصدام الحضارات على أثر صموئيل هنتنغتون. الشيء الخطير فيما يخص موقفنا من الغرب هو أن رفضنا لسياساته الظالمة أحياناً وبخاصة فيما يتعلق بفلسطين يمتد لكي يشمل أيضاً الرفض لثقافته وفكره وكل حضارته، وهذا هو الشيء الذي رفضه جورج طرابيشي على خطى طه حسين وسلامة موسى وبقية مفكري النهضة العربية، وربما تكمن هنا ميزته أو تمايزه عن معظم المثقفين الآخرين، ولكن ليس كلهم لحسن الحظ.

في الواقع، نحن بعدائنا المطلق للغرب نحرم أنفسنا من فتوحاته العلمية والفلسفية. إننا في زحمة الغضب العارم والصراع الهائج لا نعرف كيف نفرق بين الوجه المشرق لحضارته/‏‏ والوجه المعتم، بين الوجه المعرفي المحرر للروح/‏‏ والوجه التوسعي القمعي الجشع. وهذا الخطأ انعكس سلباً علينا. فقد أخر من تعزيلنا لتراكماتنا التراثية وعرقل انطلاقتنا ونهوضنا.

احتماء بالتراث

يرى المفكر السوري الراحل، أن شريحة واسعة من الإنتلجنسيا العربية راحت تغرق في نوع من الخطاب العصابي الهيجاني ضد الغرب بدءاً من الرضة الحزيرانية، أي نكسة 5 حزيران 1967. راحت تغرق في الخطاب التراثي المتقوقع على الماضي. هذا النكوص نحو الماضي يجد مبرراته في إحباطات الحاضر. فلولا الهزيمة النكراء لما كان النكوص إلى الوراء. لولاها لما كانت التخمة التراثية التي غرق فيها معظم المثقفين العرب.. لقد رموا بأنفسهم في أحضان الأب - التراث لكي يحميهم من الهزيمة.

ينبغي العلم بأن الطبقة الثقافية العربية كانت على امتداد عصر النهضة عامل تقدم ودفع إلى الأمام، ولكنها الآن وبعد انفجار الموجة الأصولية أصبحت عامل نكوص إلى الوراء، ثم يستشهد بكلمة بديعة لطه حسين وكانت قد وردت في كتابه: مستقبل الثقافة في مصر. يقول عميد الأدب العربي: «لنقبل على هذه الحضارة باسمين لا عابسين». بمعنى لنأخذ منها ما يفيد ولنتفاءل بها بدلاً من أن نعرض عنها ونزدريها، ولكن طرابيشي يستخدم عبارات أقسى بكثير من طه حسين. إنه يعنف المثقفين العرب تعنيفاً شديداً، لأنهم أصبحوا يطرحون شعاراً مضاداً لشعار طه حسين. لقد أصبح شعارهم هو التالي: «لندبر عن هذه الحضارة عابسين لا باسمين»، بل ويصف طرابيشي ركوب المثقفين للموجة الأصولية التي استفحلت بعد 1970 بالردة والجائحة الأيديولوجية والوباء النفسي.. يقصد بذلك أنهم ارتدوا على عصر النهضة وقيمه التنويرية، ثم يستشهد بعبارة أخرى لأحد أعلام الفكر جمال الدين الأفغاني. وفيها يقول: «العربي يعجب بماضيه وأسلافه، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله». ويرى طرابيشي أنه إذا ما انتصر هذا التيار فإن ما ينتظرنا هو مستقبل من الظلامية. وبالفعل هذا ما حصل. ينبغي العلم بأن طرابيشي كتب هذا الكلام في نهاية الثمانينيات أي عندما كانت الموجة الأصولية قد وصلت بالخميني إلى سدة السلطة في إيران وعندما كانت الحركات الإخوانية قد اكتسحت الشارع وأصبحت تحلم مثله في الانقضاض على السلطة في العالم العربي. ولهذا السبب قرر جورج طرابيشي التصدي لهذه الموجة العارمة منذ الثمانينيات من القرن المنصرم في وقت راح فيه العديد من المثقفين يلتحقون بها، بل وحتى بعض الماركسيين الشيوعيين انقلبوا إلى أصوليين بين عشية وضحاها! وهذا ما يدعوه المؤلف بالردة. (انظر كتابه: المثقفون العرب والتراث. التحليل النفسي لعصاب جماعي. الصادر للمرة الأولى عام 1991). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف