• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

لا سبيل أبداً لإصلاح ما يسمى البرامج الدينية في العالم العربي؛ لأنها مفارخ للإرهاب وكراهية الحياة والخلط المقيت بين الزهد والنقمة وبين الحياة والدنيا

اللهمَّ اهدهِم.. أو هُدَّهُم!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 30 مارس 2016

محمد أبو كريشة*

جلستُ أمام التلفاز أُتابع برنامجاً دينياً، وفوجئت بالداعية الذي يقدم البرنامج ويتحدث عن الموت يشير بسبابته وكأنه يشير إليَّ قائلاً: قد تموت الآن وأنت تتابع كلامي هذا.. وكان رد فعلي التلقائي أنني ضحكت، وقلت بصوت مرتفع وكأنني أحدث نفسي: وما الجديد في هذا؟ إنه كلام قديم ومعروف لكنه هذه المرة افتقد الذوق في الطرح.. وكان يمكن للرجل أن يكون أكثر ذوقاً ورقة، ويقول: قد أموت الآن وأنا أتحدث إليكم.. وفي هذه الحالة لن يثير ضحكاتي.. بل قد يكون كلامه مؤثراً أكثر.

المسألة بالتأكيد ليست تجديد أو تغيير الخطاب الديني، لكنها ضرورة تغيير العقل العربي، والفكر العربي، والدم العربي - فالدم العربي يُراق ويسكب على الأرض بلا طائل.. بينما لو طلبت من العربي أن يتبرع بقطرات من دمه لبنوك الدم لقال لك: لا - وربما يقول لك إن التبرع بالدم حرام - لكن إراقة الدم بالإرهاب والقتل والانتحار حلال.

المسألة أو المعضلة أن ثقافة العرب ثقافة موت، وأن الدين عند العرب مسجون في أشياء ثلاثة لا رابع لها هي: الموت والمرأة والكراهية.. كراهية الحياة، وكراهية الآخر.. هي إذن ثقافة هدم.. هدم النفس، وهدم أي بناء. أو قل إنها ثقافة الحرام، والحرام هو نفسه الكراهية، وهو نفسه الهدم، وهو نفسه المرأة، وهو الموت أيضاً لأن الحياة كلها حرام ولا بد أن نخرج منها لننجو من الحرام. وهذه الثقافة تجعل المرأة حراماً، والحب حراماً، والحياة حراماً، لذلك يجب الخروج من الحياة فوراً لأن البقاء فيها كفر وحرام، ولا بد أن نخترع وسائل ونبتكر أساليب تحقق لنا الخروج من الحياة بالأحزمة الناسفة والقنابل والسيارات المفخخة.. علينا أن نخرج نحن من الحياة المحرمة والكافرة. وأن نخرج غيرنا منها إنقاذاً له من الكفر والحرام. والعمليات الإرهابية في رأي المجرمين مرتكبيها هي عمليات إنقاذ للقتلى من الحياة والذنوب والانحراف من أجل إدخالهم الجنة وتغيير طريقهم من الجحيم إلى النعيم. لذلك يقتلون الأطفال بلا رحمة، وهم يرون أن قتلهم رحمة بهم ولهم، وإنقاذ لهم من النار. هؤلاء يرون أنهم يخربون الدنيا من أجل إعمار الآخرة. وإذا لم يستطيعوا أن يهدوك من الهداية في رأيهم، اختاروا أن يهدّوك من (الهد أو الهدم). وهدمك في الدنيا عندهم بناء لك في الآخرة.

والأدهى والأمر أن الأمر لم يقتصر على أن تكون ثقافة العرب ثقافة موت، بل إن العقيدة عند العرب أصبحت أيضاً عقيدة موت، لذلك أبطل الإرهابيون حرمة الانتحار في الإسلام على أساس المبدأ الميكيافيللي الشهير (الغاية تبرر الوسيلة)، فالمهم هو الهدف والغاية من الانتحار. والغاية هنا هي الاستشهاد في سبيل الله ومرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة. وهذه الغاية لا يريد الإرهابيون الاستئثار بها وحدهم، بل يأخذون معهم إلى الجنة مئات الناس الذين يموتون في عملياتهم الانتحارية، لأن الحياة حرام ويجب إنقاذ الناس من الحرام بقتلهم.

ومبدأ ميكيافيللي (الغاية تبرر الوسيلة)، هو المبدأ الحاكم لفكر وحركة جماعات الإرهاب وما يسمى الإسلام السياسي - فالحاكمية الحقيقية عندهم لميكيافيللي وليست لله عز وجل - وسمو الغاية في رأيهم وحركتهم يبرر الكذب والغش والتزييف والخداع وما يسمونه (التقية)، ويبرر اللعب في النصوص القرآنية، ونصوص السنة لتصبح النصوص نفسها وسيلة وليست غاية - كما أن ما يرون أنه سمو الغاية يبرر الانتحار والقتل والتدمير والخراب، لذلك يخترعون الغاية ويخترعون الوسيلة أيضاً - فالتفسير هو أن المجتمع كافر والغاية إنقاذه من الكفر والوسيلة قتله وتدميره وهدمه بعد الفشل في هدايته.. ولذلك أيضاً ترى غاية الجماعات الإرهابية وجماعات ما يسمى الإسلام السياسي هي هدم الدول والمجتمعات.. وليست الغاية البناء أبداً.. لأن البناء في الدنيا وفي الحياة حرام والحلال هو بناء الآخرة.. لذلك ذم الإرهابيون والخوارج على مر التاريخ العربي والإسلامي الناس بعبارة سخيفة وشهيرة، وهي (أنهم يعمرون الدنيا بخراب الآخرة أو يخربون الآخرة بإعمار الدنيا).. على أساس أن إعمار الدنيا يتعارض مع إعمار الآخرة، وأن إعمار الآخرة لا يكون إلا بتدمير الحياة وخراب الدنيا.

وخلط الإرهابيون، بل والعرب والمسلمون جميعاً بين الدنيا والحياة.. فذموا الحياة على أساس أنها الدنيا، وذموا الدنيا على أساس أنها الحياة. والمفترض أن الحياة ضد الموت والدنيا في مقابل الآخرة. لكن ثقافة الكراهية والحرام واليأس جعلت العرب والمسلمين يفضلون الموت على الحياة ويذمون الحياة ويمدحون الموت. والبرامج التي يسمونها دينية برامج موت وليست أبداً برامج حياة. وهي برامج تدعو دوماً إلى نبذ الحياة ورفضها على أساس أن هذا النبذ هو الزهد في الدنيا. فخلطوا بين كراهية الحياة والزهد في الدنيا. ودعوا إلى ترك الحياة على أساس أنه هو نفسه ترك الدنيا. فكان القتل والتدمير والخراب والانتحار من مظاهر الزهد في الدنيا في فكرهم الفاسد والغبي.. وفسروا النصوص الدينية على هواهم المريض، ومنها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».. وفي البرنامج الذي أشار فيه الداعية بسبابته متمنياً الموت لي الآن وأنا أتابعه، قال إن الحديث يعني أن تحرص على الرحيل من الدنيا والحياة، وأن تعلم أنه لا يوجد ما يسمى الوطن، وأن الوطن الدائم والحقيقي الذي نسعى إليه هو الجنة. والحق غير ذلك تماماً لأن وجودك أو وجودي في الدنيا كالغريب أو عابر السبيل، يعني التحلي بأخلاق الغريب وعابر السبيل، فلا يخرب ولا يدمر، ولا يقتل، ولا يتصرف باستهانة وسوء سلوك كأنه في بيته.. وجودي في الدنيا كغريب أو عابر سبيل يعني أن أحرص على أن تكون سيرتي طيبة وأن أترك ذكرى جميلة وألا أكون متطفلاً. ولا يعني أبداً أن أخرب الدنيا وأدمرها وأن أكفر بالوطن ولا أرى له قيمة أو معنى. إنها رذيلة كسر عنق النصوص لتوافق أهواء هؤلاء الكارهين للحياة والمجتمع والأوطان.

والحق أنه لا سبيل أبداً لإصلاح ما يسمى البرامج الدينية في العالم العربي لأنها مفارخ للإرهاب وكراهية الحياة والخلط المقيت بين الزهد والنقمة وبين الحياة والدنيا وبين الجهاد والإرهاب. ولم يعد من سبيل إلا إلغاء هذه البرامج التي صارت عبئاً على العقل العربي المنهك والمغيب. ويقيني أن برنامجاً عن عالم الحيوان أو الكائنات البحرية أو الأجرام أو النجوم والكواكب أو جسم الإنسان أو غرائب الطبيعة يُعد برنامجاً دينياً بامتياز، وأعظم فائدة من البرامج المسماة دينية التي يدعم أصحابها الإرهاب وهم يعلمون أو وهم لا يعلمون.. ذلك الإرهاب الذي يتمدد ويتوسع ويتوغل وينتشر ويقتل، ولم يعد لنا إلا الله عز وجل، ندعوه مخلصين له الدين: اللهم اهدهِم أو هدَّهم!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا