• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الواقع أن معدل شعبية يفوق 80 في المئة يخبرنا بكل بساطة بأن الروس غير قادرين على تخيل بديل لـ بوتين

شعبية بوتين.. «التصويت بالأرجل» !

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 04 فبراير 2015

يبدو أن شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقاوم قوانين الفيزياء السياسية، إذ على الرغم من تهاوي سعر النفط إلى ما دون 50 دولاراً للبرميل وسقوط الاقتصاد الروسي في دوامة لم يعرف الخروج منها حتى الآن، إلا أن معدلات الرضا الشعبي عن بوتين ما زالت تحوم حول 80 في المئة متحديةً الجاذبية على ما يبدو. بيد أن الأرقام ينبغي ألا تؤخذ على ظاهرها؛ فالتمحيص والتدقيق مهمان هنا بشكل خاص؛ لأنه كلما تمت الإشارة إلى معدلات شعبية بوتين المرتفعة، كلما ساد الاعتقاد بأنها تعكس وضعاً صحيحاً وحقيقياً. والحال أن وسائل الإعلام والمحللين السياسيين الغربيين كثيراً ما يتناولون هذا الموضوع من دون تقديم السياق المهم والضروري لفهم ما يجري.

أولًا، إن شعبية بوتين تحققت في سياق يميزه فراغ على مستوى المعلومات، ذلك أن مجموعة غير معلنة من قواعد الرقابة، التي يعمل الكرملين على تطبيقها واحترامها، تجعل من شبه المستحيل مناقشة المواضيع المهمة والتشكيك في الأعمال التي يقوم بها المسؤولون عبر وسائل الإعلام العامة. ونتيجة لذلك، فإن الأصوات المستقلة نادراً ما تصل اليوم إلى غرف المعيشة الروسية عبر موجات الأثير. وعلى سبيل المثال، عمدت الحكومة خلال الأشهر الأخيرة إلى تشديد الخناق على منابر إعلامية محلية مثل الموقع الإخباري الإلكتروني Lenta.ru، وصحيفة فيدوموستي، وقناة موسكو التلفزيونية تي في راين. وتقوم وسائل الدعاية التابعة للدولة بتزويد جمهور التلفزيون الروسي بسيل كبير وغامر من الأخبار التي تهدف إلى إظهار زعماء البلاد في ضوء إيجابي بينما لا تتوانى عن إلقاء المسؤولية عن مشاكل البلاد على عاتق «الفاشيين» و«العملاء الأجانب» و«الطابور الخامس».

ثانياً، إن القمع السياسي الذي يمارسه بوتين يحرص على ألا يجرؤ على تحدي حكمه سوى الأفراد الشجعان والمستعدون للتضحية بأنفسهم من أجل القضية التي يؤمنون بها؛ حيث يتعرض زعماء المعارضة الصاعدين إما للإقصاء أو يقعون ضحية حملات التشويه والإساءة أو يتم استقطابهم واستمالتهم قبل أن يكتسبوا ما يكفي من الشعبية ليطرحوا تهديداً. والواقع أن معدل شعبية يفوق 80 في المئة يخبرنا بكل بساطة بأن الروس غير قادرين على تخيل بديل لبوتين.

ثالثا، إن المهنيين المتعلمين باتوا يهاجرون من روسيا بأعداد ضخمة. فحسب هيئة الإحصاء الروسية الفيدرالية «روستات»، فإن أكثر من 300 ألف شخص غادروا البلاد من 2012 إلى 2013، هجرة تتزامن على نحو معبّر مع عودة بوتين لولاية رئاسية ثالثة؛ بل إن معدل المغادرين ارتفع أكثر بعد ضم شبه جزيرة القرم العام الماضي. وعلى سبيل المقارنة، فإن قرابة 70 ألف شخص غادروا البلاد من 2010 إلى 2011. وعليه، فإن صفوة المجتمع الروسي تقوم بـ«التصويت بأرجلها» حيث تترك وراءها بيئة أكثر فسادا وتقصد مراعي أكثر اخضراراً تسمح لها بإبراز واستغلال مواهبها.

كل هذا يفترض أن يخبرنا بشيء. فاليوم، يتعين على الكرملين أن يعمل بجد أكبر مما كان يفعل في الماضي حتى يصنع دعما للنظام. ذلك أن «البروباجندا» الشرسة التي يقودها والقمع القوي الذي يمارسه يشيران إلى أن الشعب الروسي أضحى أقل رغبة في قبول بوتين. وللتعويض عن ذلك، انتقل جهاز الدولة إلى السرعة القصوى. ومما لا شك فيه أن بوتين مازال يحظى بدعم بعض شرائح المجتمع الروسي؛ غير أنه بالنظر إلى درجة «الصناعة» التي تسيطر عليها الدولة وتُعتبر مسؤولة عن خلق «شعبيته»، فإن الكتابة غير المنتقدة حول المعدلات العالية لشعبية بوتين ليست مفيدة في الواقع، لأنها تغذي الفكرة الخاطئة التي تقول بأنه شخص «لا يمكن الهجوم عليه».

وخلاصة القول، إن الزعماء الأدهياء يدركون جيداً أن تصور السلطة وتمثلها إنما يشكّل في الواقع. ولذلك، فإن منابر الكريملن الدعائية تعمل بجد على صياغة وتشكيل هذا التصور لجماهيرها الداخلية المحتجَزة. غير أن المراقبين البعيدين عن تأثير الكريملن ليس لديهم هذا العذر ولذلك ينبغي أن يتبنوا نظرة انتقادية أكثر لوضع بوتين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا