• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

من مساوئ العقل الجمعي العربي أنه يهتم بمن قال ومن كتب ولا يعنيه ما قيل وما كتب.. المهم عند القطيع هو من قال ولو أخطأ ومن كتب ولو كذب

فتش عن العقل العالة.. لتعرف تشخيص الحالة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 04 فبراير 2015

لعله زهير بن أبي سلمى شاعر المعلقات الشهير الذي قال:

ما نرانا نقول إلا معادا من شعرنا مكرورا.. ولعله الشاعر القديم دعبل الذي قال:

إني لأفتح عيني حين افتحها .... على كثير ولكن لا أرى أحداً

هذان القولان يمكن تطبيقهما بالنص على ما يجري في الساحة العربية، فنحن نقول معاداً ومكروراً في السياسة والدين والثقافة وفي مقالاتنا وتحليلاتنا. وأنت حين تفتح عينيك ترى ملايين الأقوال بلا أفعال، وملايين الناس بلا فائدة ولا جدوى وملايين المقالات والتحليلات بلا مردود. تسمع كثيراً من الجعجعة والجلبة والضوضاء ولا ترى طحناً. وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: حين تسمع قول طرفة بن العبد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم.. وبقيت في خلف كجلد الأجرب: ماذا لو أدرك طرفة زماننا هذا؟ وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: ماذا لو أدركت أم المؤمنين زماننا هذا؟ وجاء من يقول: ماذا لو أدرك الحسن زماننا هذا؟ وسنظل نقول ذلك إلى يوم القيامة؟ نفس الكلام والخطاب المكرور والمعاد الذي كان جيداً وحكيماً حين قيل لأول مرة، لكنه صار سقيماً حين أعيد مئات المرات. وصار أيضاً عقيماً، معنى ذلك أن العقل الجمعي العربي أصابه العقم، ولم يعد يلد أفكاراً ولا مفاهيم ولا قيماً، العقل الجمعي العربي لم يعد منتجاً ولكنه صار مستهلكاً. صار عقلاً عالة ومقلباً ومكباً للنفايات الفكرية سواء من الماضي أو من حاضر الآخرين في الغرب والشرق.

والمأساة ليست الاستهلاك المادي، بل إنها الاستهلاك الفكري، فنحن كما نستهلك سلع السلف وسلع الغرب والشرق بصرف النظر عن فسادها وانتهاء فترة صلاحيتها، فإننا أيضاً نستهلك أفكار السلف وأفكار الغرب والشرق غير المطابقة للمواصفات وغير الصالحة للاستهلاك العقلي. والعربي ينقل بلا عقل، وليته ينقل بعقل أو حتى يعقل بلا نقل. ولن أتنازل عن رأيي، بأن أزمة الخطاب العربي هي أزمة المخاطب وليست أزمة المتكلم، أزمة المتلقي وليست أزمة الملقي. وكل سلعة تروج وتنتشر حتى إذا كانت فاسدة مسؤولية المستهلك وليست مسؤولية المنتج. وكذلك كل فكرة فاسدة تروج لأن العيب في المتلقي وليس في الملقي. ونحن في حاجة إلى إصلاح المخاطب لا إصلاح الخطاب. نحن في حاجة إلى إصلاح التربة لا إصلاح البذرة التي تلقى فيها. والعقل الجمعي العربي تربة غير صالحة إلا لنمو النباتات الشيطانية والأشواك والحشائش والصبار. ولقد جربت مراراً وتكراراً أن أسبح ضد تيار العقل الجمعي العربي ونجحت التجربة في كل مرة. فالفيلم الذي يفشل جماهيرياً ويتم رفعه من دور العرض بعد أسبوع من عرضه أبحث عنه في كل مكان لأشاهده على شريط فيديو وأكتشف أنه فيلم رائع.. والفيلم الذي (يكسر الدنيا) على رأي أهل الفن ويستمر عرضه كل خميس أسبوعياً لا أشاهده أبداً لأنه بالتأكيد فيلم تافه وسطحي.. والكتب الأكثر مبيعاً في الأمة العربية هي كتب الدجل والخرافات والهلاوس والضلالات المسماة دينية وكتب الجنس والإباحية.

والطبيب الأشهر هو الأقل كفاءة والإعلامي والإعلامية الأشهر هما المتخصصان في برامج العفاريت والجنس والإثارة السياسية التي صارت تماماً مثل الإثارة الجنسية والإباحية الدينية التي صارت مثل الإباحية الجنسية. في مصر يقول المثل العامي (اللي تكسب به العب به).. والحصان الرابح عند العقل الجمعي العربي هو الخطاب المعاد المكرور التافه، لأن العقل الجمعي سقيم عقيم.. وقبل أن تعيب انتشار الخطاب السطحي السقيم اسأل أولاً: من السبب في رواجه وذيوعه؟ هي المسلمات التي يتبناها القطيع وأزمة البديهيات التي اختلقها هذا القطيع وأزمة الخطأ الشائع الذي عندما شاع تم التسليم به واعتماده ورفض تصويبه.. فالمبرر عند من تقول له إن هذا خطأ هو أن يقول لك إنه خطأ شائع ولا بأس من استخدامه. فالشيوع هو مبررنا للإصرار على الخطأ ولو كان فادحاً، والشيوع هو الذي يجعل الخطأ صواباً، والصواب يكون هو الخطأ لأنه غير شائع. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا