• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

أمة «اقرأ»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 10 يناير 2016

كلمة «اقرأ» هي أول ما نزل من القرآن الكريم عند بدء الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قرع سمعه صوت الروح الأمين، وهو في تأملاته بغار حراء، قائلاً: (اقرأ...)..

وهذه «الكلمة الافتتاحية» لخاتمة الرسالات؛ لها دلالة ذات مغزى عميق ومتعدد الأبعاد.. فهي توضح أن نقطة الانطلاق لنهضة أي أمة هي «القراءة»... ويوحي تكرارها في نفس المقطع القرآني مرتيْن بأن البشرية إثر نزول القرآن ستدخل عصراً جديداً وغير مسبوق وهو «عصر القراءة» بأوسع وأشمل معاني الكلمة باعتبارها حقاً وواجباً أساسياً لكل إنسان.. فلن تعود القراءة بعدئذ نشاطاً ترفياً أو امتيازاً تحتكره «النخبة» من المجتمع مثل طبقة البراهمة في الهند أو الفلاسفة في اليونان أو كهنة الفراعنة في مصر أو ملوك الفرس والرومان.. إلخ.. وإنما يحق لكل فرد بل ويجب عليه أياً كان عرقه أو جنسه أو لونه أو مكانته الاجتماعية أن يقرأ ويقرأ...!

فالقراءة هي أول خطوة نحو تحرير العقل الإنساني من أغلال الخرافات والأساطير ومن التقليد الأعمى، وهي الوسيلة الفعالة لاكتشاف أسرار الحياة وفهم حقائق الوجود وهي الأداة المثلى لتهذيب النفس وإطلاق طاقاتها الكامنة لإعمار الكون وبناء حياة الفرد وتنمية المجتمع على دعامة متينة من العلم والمعرفة.

يمكن القول إن كلمة «اقرأ» قد تمخضتْ عن أول «ثورة قرائية» في التاريخ وحددت من أول يوم هوية الأمة الإسلامية ومسار رحلتها عبر الزمن فهي «أمة اقرأ» وينبغي لها أن تكون كذلك فتتخذ من القراءة مدى الحياة «هويةً» لها ما دامت منتسبةً إلى القرآن الكريم ومؤتمنة على حمل رسالته إلى العالم.. ومن هنا كانت أول «وظيفة رسمية» استحدثت في الإسلام هي وظيفة «القراءة»، حيث كان يلقب أصحابها بـ «القراء»، وبالتالي صارتْ القراءة معيار التفاضل الاجتماعي ومضمار التنافس بين المسلمين. ونتج عن ذلك شيوع «القراءة» في كافة أرجاء المجتمع الإسلامي بوتيرة متسارعة وغير معهودة.

مما جعل العرب والمسلمين في أقل من قرن عقب نزول القرآن أرقى شعوب المعمورة فكراً وثقافةً إذْ يغزر إنتاجهم العقلي المبدع وتتراكم منجزاتهم العلمية والأدبية المبتكرة والمتنوعة وتتضافر جهودهم وإسهاماتهم البناءة في كافة مجالات الحياة لأجل تشييد صرح حضاري عالمي فريد لا ينقضي منه عجب المؤرخين قديماً وحديثاً.. وعلى سبيل المثال، كتب البروفيسور الهندي كي إس راما كرشنا، عميد كلية الفلسفة بجامعة مبسور، الهند، في مقال عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «لقد كانت الجزيرة العربية عند ظهوره مجرد صحراء قاحلة وكأنها «لا شيء».

ومن ذلك «اللاشيء»، تشكّل بوساطة روح محمد الجبارة عالم جديد -حياة جديدة، وثقافة جديدة، وحضارة جديدة، ومملكة جديدة وقد ترامت أطرافها لتصل إلى المغرب وحتى جزر الهند وأثرتْ في طرق تفكير ومعيشة القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا». (مجلة «الإسلام والعصر والجديد»، حيدر آباد، عدد مارس، 1978).

وهنيئاً للإمارات ولله در قيادتها الرشيدة على اتخاذ قرار الاحتفاء بعام 2016 كعام للقراءة فهو قرار حكيم ومصيري جداً وكلنا مسؤولون عن بذل كل ما يستطاع لتجسيده نصاً وروحاً.. وقد تمنيت لو ألهمتْ هذه المبادرة الإماراتية جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي معاً بتبني قرار مماثل على مستوى العالمين العربي والإسلامي.. فما أحوج «أمة اقرأ» اليوم بكل شرائحها وفي كل مكان إلى أن تقرأ بالفعل لكي تستعيد دورها الريادي من جديد!!

أبو صالح أنيس لقمان الندوي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا