• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

هل يحمل هذا العام الجديد - عام الذكرى الستين لاستقلال السودان - ولو بصيصاً من الأمل في أن يسترد الساسة رشدهم ويجنبوا البلد مزيداً من الدمار والانهيار؟!

السودان.. ستون عاماً بعد الاستقلال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 10 يناير 2016

عبدالله عبيد حسن*

اليوم الأول من يناير، يعيد للذاكرة السودانية ذكرى يوم عزيز على السودانيين، عندما تم الإعلان عن أن السودان جمهورية مستقلة كاملة السيادة على حدود أرضها. في اليوم الأول من يناير عام 2016 يكون قد مضى على استقلال السودان ستون عاماً على قيام الجمهورية، والبداية الجديدة للحكم الوطني القائم على ركائز الديمقراطية - البرلمانية.. وتلك ذكرى تستحق وتستدعي استرجاع ومراجعة مسيرة السودان المستقل الذي ناضل وقاتل من أجله جيل - بل أجيال - من رجال ونساء السودان، وبذلت من أجله دماءها وعرقها حتى حققت الاستقلال الذي وصفه الزعيم السوداني المرحوم إسماعيل الأزهري يومذاك بأنه: (استقلال نظيف وأبيض مثل «صحن الصيني»، ليس فيه شق ولا طق».. استقلال لم تقيده معاهدات سرية ولا أحلاف عسكرية وقد كان ذلك الزمن (خمسينيات القرن العشرين) زمن الأحلاف والقواعد العسكرية، حلف بغداد - وحلف الشرق الأوسط - ومشروع أيزنهاور... إلخ.. وكان زمن صــــعود النجم الأمـيركي الذي حل محل الإمبراطورية البريطانية العجوز.

وقد كانت تلك المحمدة الأولى التي سجلها التاريخ للحكم الوطني والقيادة الوطنية السودانية التي تحقق الاستقلال على يديها.. «الاستقلال النظيف الذي رفع علمه الزعيمان الأزهري والمحجوب يوم الأول من يناير عام 1956».

إن مراجعة المسيرة السياسية للسودان خلال الستين عاماً الماضية، تشكل في أحد جوانبها ملحمة بشرية حافلة بالانتصارات والهزائم.. بالنجاحات والإخفاقات، وفي قلب تلك الملحمة التي شكلتها مسيرة السودان لمسيرة نضال شعبي متجدد كل صباح من أجل إما الحفاظ على النظام الديمقراطي البرلماني الذي اختاره شعب السودان أو كفاح وصل حد النضال المسلح من أجل استعادة الديمقراطية التي سلبها من الشعب المغامرون الانقلابيون. تعددت أسماء وصفات انقلاباتهم التي كان دائماً ما تتوارى خلفها مجموعة من السياسيين الانتهازيين الذين يتدثرون بالشعارات والأيديولوجيات المتطرفة يساراً ويميناً. وهكذا كان قدر الشعب السوداني ما أن يسترد الديمقراطية، ويشرع في تثبيت دعائم الحكم النيابي، إلا وينقض عليهما فصيل من العسكريين، باسم النظام والعمل - كما كان شعار الانقلاب العسكري الأول الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، وكبار ضباط قوة دفاع السودان (هكذا كانت تسمى القوات المسلحة السودانية على عهد الحكم الثنائي ولسنوات بعد الاستقلال).. وبعد نضال بطولي ومعارك ضارية كان سلاحها الإضراب السياسي والعصيان المدني، أنجز الشعب السوداني مأثرته الخالدة في أكتوبر عام 1964.

وكانت ثورة أكتوبر - وستبقى - صفحة خالدة في تاريخ السودان، تسترجع دروسها وعظاتها.. وهكذا أيضاً ما أن استرد البلد أنفاسه، وباشر تأسيس نظامه الديمقراطي البرلماني، فسرعان ما انقض عليه انقلاب صغار الضباط في يوم الخامس والعشرين من مايو ورفعوا - هذه المرة - الشعارات الثورية التي كانت سائدة وقتها.. الحرية والاشتراكية والوحدة العربية.. لكن الانقلاب اليساري سرعان ما تآكل، وسرعان من استولى المشير جعفر نميري على السلطة محاطاً بأخلاط من البشر والأفكار، وانتهت «مايو الثورية» إلى نظام فريد في تناقضاته ومآسيه التي لا يزال السودان يعاني منها.

ونجح النضال الصبور والدائب في تحقيق «المعجزة الثانية» بعد ثورة أكتوبر، وكانت انتفاضة أبريل التي أطاحت نظام مايو ورئيسه، ولكن أيضاً سرعان ما انقض عليها الانتهازيون منذ البداية، وكان المجلس العسكري الأعلى أداتهم، ومع ذلك، فإن الديمقراطية الوليدة والتي كان أول وأهم أهدافها إيقاف نزيف الدم في حرب الجنوب وعقد المؤتمر القومي الدستوري الذي كان سيوكل له وضع الدستور الدائم للسودان الذي قام من أجل التراضي الشعبي كي يحفظ للوطن وحدته وللشعب حريته.

لم يصبر تنظيم «الإخوان المسلمين» (المسمى علناً بالجبهة القومية - الإسلامية بزعامة د. حسن الترابي) على الديمقراطية وتخوف من عقد المؤتمر الدستوري المنتظر، وهكذا جاء الانقلاب «الإخواني» باسم «الإنقاذ» التي أذاقت، ولا تزال الشعب والوطن أهوالاً ومآسي ليس لها من شبيه في تاريخنا الحديث.

وعلى عهدها وإدارتها، انقسم البلد بلدين، وأهلكت الحروب ملايين من البشر ليس في الجنوب وحده، وإنما في الغرب والشرق، وأصبح السودان بلداً مرشحاً لمزيد من الانقسامات ومزيداً من سفك الدماء.

فهل يحمل هذا العام الجديد - عام الذكرى الستين لاستقلال السودان - ولو بصيصاً من الأمل في أن يسترد الساسة رشدهم ويجنبوا البلد مزيداً من الدمار والانهيار؟!

*كاتب سوداني مقيم في كندا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا